بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (36): أبو العبد الصيداوي: لا يعجبه العجب ولا الصيام برجب

حافظ ماضي / خاص بوابة صيدا

كان أبو العبد الصيداوي قريباً جداً منا، كان بمثابة العراب أو المصلح أو الأب الروحي للحق والصواب، بأسلوب فظٍ وقاسي, في مرحلة كان آخر هَمّْ الناس الحق والصواب والصراط المستقيم, كان أبو العبد يعيش في عالمه الخاص، كان متعلماً عاملاً مصلحاً مجتهداً مكافحاً، ملتزماً بأوامر الله ما استطاع في زمن كان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، كان يركب وحده سفينة النجاة الحقيقية، والجميع من حوله يتمسكون بألواح جذابة ولكن هشة، عائمة على وجه الماء, ظناً منهم أن النجاة ستكون بها.

كانوا في غيبته يسخرون ويستهزؤون به ويرونه يركب سفينة التخلف والرجعية ويجدون حياته ملؤها الملل والضجر والنكد.

كان أبو العبد يسمع ما يسمع ويرى ما يرى ويشعر بالإستهزاء والإستخفاف، إلا أن الله جبله على عدم التكيف مع الباطل وإنكار المنكر، والإبتعاد عن الشبهات وتوقع المحظور قبل وقوعه، في الوقت الذي كان الجميع لا يرى ما يراه ولا يستشعر ما يستشعر به، فكان يستحق الإحترام عند تواجده، ولكنه لا يستحق الصحبة والخلة والحميمية الإجتماعية، فهو بالنسبة للآخرين غراب يغرد خارج سرب البلابل، ينغص على الآخرين بصوته المزعج.

كان دائما ينتقد المسلحين والحزبيين والذين يطلقون على أنفسهم صفة ال " وطنيين" واليساريين والمناضلين في تلك المرحلة، فشكَّل لنا هذا الإنتقاد حاجزاً نفسياً مع أولئك الناس ومع أنصارهم ومن يؤازرهم، حيث كنا نحن فطرياً مع أبي العبد ولكننا على أرض الواقع كنا نتأثر بما يجري في الشارع، فالأحداث وردات الفعل العفوية التلقائية التي كانت تصدر عن الناس كان لها تأثيراً كبيراً علينا، مما جعلنا نعيش في صراعٍ داخلي، فكنا نُعجَب بكلام وأفعال وشعارات وحماسة من ينتقدهم أبو العبد، سيما أنهم كانوا ثوريين ثائرين وأصحاب فكر وعمل ومشروع بالظاهر، وفي نفس الوقت كان لكلام أبو العبد الأثر الكبير في نفوسنا.

فقد علمتنا التجارب أنه صاحب الحق في نهاية المطاف، والحق معه دائما لأنه مجبول على ذلك، فيشم رائحة الغلط والخطأ والخطر عن بعد، ويستشعر صوابية الخطوات ومساوئها قبل أن تحدث ليس لأنه منجم أو عراف بل لأنه كما ذكرت سابقاً مجبول على ذلك والجميع يشهد له بذلك فمن الممكن أن تتضايق منه في الأمد القريب المنظور لأن رأيه لا يتناسب مع رأيك، لكن يتبين في نهاية المطاف أن ما حذر منه أو ما تخوف منه كان صحيحاً وأن المحظور الذي حذَّر منه وقع فلا يسعك في النهاية إلا أن تحترمه وتشهد له، فقد عارض حزب البعث وما كان يمثل في ذروته انتشاره بين الصيداويين في الخمسينات والستينات، وعارض عبد الناصر في اوج نجوميته وتربعه على قلوب الجيمع 1952-1970، وشاكس معروف سعد في عز قوته وسطوته 1968-1972، وعارض الحريري في عز زعامته (1992-2004) وتصدى للحزبيين واليساريين والنقابيين في عز تحركاتهم وسيطرتهم 1970-1990 وتصدى لنزيه البزري لما تفرد بإدارة مرافق صيدا (1982-1989) ونأى بنفسه عن الإسلاميين في عز صحوتهم وتوسعهم في المجتمع 1965-1985.

لذلك نشأ هذا الصراع في داخلي، صراع بين ما يستهوي الناس وما يسيطر على الشارع والمشاعر وبين ما يراه أبو العبد حقاً، إذ كان هناك دائماً ثمة تضارب بين الإثنين، وللأسف اتجهت كما كل الناس الى اتباع الهوى وما يطفو على وجه الماء وما تشتهيه الأنفس، واعتبرت أنَّ أبو العبد من الجيل القديم الكلاسيكي المثبط للعزيمة، واتهمته بهذه الصفات مباشرة وأمام الناس وبت أشهر به لأرضي الأعم الأغلب من الناس...

شهرت به وبطريقة عيشه وتعاملاته وتفكيره، فالزمن لم يكن زمنه بل كان زمن المبتدعين والمنافقين والعابثين والدجالين الذين يخطفون إعجاب الشباب ويسممون أفكارهم بمهارة، فسرت مع السائرين الى الهاوية التي لم أكن أراها، ورآها أبو العبد، وخاف عليَّ من السقوط فيها، وحاول جاهداً منعي من السقوط، إلا أنني أصررت.. وسقطت... كما سقط كل شيء أعوام 1967 و1975 و1982، اعوام النكسات والهزائم والحروب العبثية.

فشل الجميع بالدليل الملموس، فيما استمر أبو العبد، ثبت على ما كان يقول ويفعل ولم يحد قيد انملة عن مبادئه، كان الناجي الوحيد في زمن سقط فيه كل شيء من النكبة إلى النكسة إلى الإجتياح، وهو ثابت على مبادئه يشهد تهاوي المنظومات التي ادعت التقدمية والعلمانية والتحرر والثورية والنضال، يشهد سقوط المشاريع والطرق، يشهد الهزائم والمحن والمصائب، انشطر قلبه إلى نصفين، قلب يبكي على حال الأمة وقلب مطمئن بثباته على مبادئه، مبدياً في كثير من الأحيان صواب آرائه وفشل تجارب الآخرين لكن بمرارة دون شماتة أو تشفي.




من أرشيف الموقع

ساحة باب السراي قديماً

ساحة باب السراي قديماً

7 أمور في الزواج يجب ان تخفيها

7 أمور في الزواج يجب ان تخفيها

حدث في 12 كانون الثاني / يناير

حدث في 12 كانون الثاني / يناير