بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (31): المهجرون: من أهم معالم تلك المرحلة شرفاتهم الأرصفة ونواديهم نواصي الطرق

حافظ ماضي / خاص بوابة صيدا

في تلك الأثناء, نهاية السبعينات, توافد إلى صيدا مئات بل آلاف العائلات الفلسطينية واللبنانية التي كانت تقيم بالقرب من الحدود اللبنانية الفلسطينية والتي هربت من ضربات العدو الإسرائيلي المدمرة التي كانت تصيب أماكن تجمع الفدائيين وقواعدهم العسكرية التي انتشرت في منطقة العرقوب السنية (شبعا كفرشوبا الهبارية كفرحمام حلتا) ومروحين يارين البستان والضهيرة, فتوزعوا في صيدا وأقاموا في المدارس والأماكن العامة وفي الأماكن الشاغرة أو كالعمارات المهجورة أو التي هي قيد الإنشاء أو المحلات التجاري المقفلة, أذكر هذا الواقع جيداً, لم يبق في المدينة مكان إلا وأقام فيه المهجرون الذين أُطلق عليهم هذه التسمية "المهجرين" فأصبحت لقباً ملازماً لهم حتى أننا نحن الصغار كنا نميزهم: " هذا من المهجرين", أذكر كيف امتلأ المركز التجاري الذي يضم سينما غرانادا والمحاذي لمستشفى الشاب في شارع رياض الصلح بالمهجرين, كان كل مكان يشغرونه يتميز بظهور الغسيل المنشور على النوافذ وعلى الحبال بشكل عشوائي, وبأواني الطبخ وبوابير الكاز التي كانت تقام على الأرصفة المحاذية.

كنت يومياً أمر من أمامهم, أراقبهم عن بعد, اقترب منهم لأكتشف تفاصيل حياتهم الخاصة, فقد تكيَّفوا مع هذا النمط من الحياة وتأقلموا, وجهزوا الأماكن التي شغروها بحيث يستطيعون العيش فيها والإستمرار والتكيف مع موسم الشتاء والبرد, فقاموا بعمل عوازل خشبية للمحلات المفتوحة وصنعوا لها أبواب ونوافذ بدائية لا تستر عورات بيوتهم, كانت أمور حياتهم اليومية تجري على الأرصفة من غسيل ملابس وتحضير الطعام وطهيه على بوابير الكاز, كانت شرفاتهم الأرصفة وجلساتهم الصباحية والعصرية والمسائية تجري على نواصي الطرق, وغرف جلوسهم ونومهم شبه مكشوفة للمارة حيث كان من السهل معرفة ماذا يفعلون وماذا يشاهدون على التلفاز, في الواقع أنهم كانوا من أهم علامات تلك المرحلة.

وكما تعودنا فإن لكل مصيبة في بلادنا "مافيا" وتجاراً يستغلون الأوضاع والظروف القاسية لتحقيق مكاسب وأرباح, فانتشرت في تلك الأيام تحت ستار تأمين أماكن سكن للمهجرين, مافيات احتلال المنازل والمحلات الشاغرة والأماكن العامة والرسمية والعقارات والأراضي. بادئ الامر كان إيواء المهجرين عملاً إنسانياً وواجب ديني ووطني, ليصبح بعد ذلك عبئاً على كاهل وعاتق من قدموا تلك الخدمات إذ أصبح المهجر اللاجئ صاحب حق وشريك في العقار وبدأ يتصرف وكأن ملكية المكان تعود إليه فمنهم من بدأ يدير الاعمال التجارية ويبيع ويشتري ومنهم من أَجَّر المكان ومنهم من قبض خلواً لترك المكان...

أذكر ان شاباً صيداوياً كان قد اشترى عام 1975 عقاراً كان عبارة عن منزل أرضي في إحدى البنايات الواقعة على طريق جزين بغية فتح مؤسسة تجارية, وكان قد دفع مبلغاً كبيراً لشرائه من تعبه وكده وكفاحه, ولما بدأ المهجرون بالتوافد إلى صيدا أقامت فيه والدته وعدد من أفراد عائلته خوفاً من احتلاله من قبل النازحين, أذكر جيداً مع انني كنت صغيراً جداً لم اتجاوز الخمس سنوات كيف قمنا بزيارة تلك العائلة في هذا المنزل حيث كانوا يجلسون على الشرفة الأرضية المطلة على شارع جزين, وسألت يومها عن سبب وجودهم في هذا المكان فأجابوني أننا هنا حتى لا يتمكن أحد من النازحين من احتلال المنزل, هذا المنزل الذي أصبح في ما بعد من أكبر المؤسسات التجارية في الجنوب والجوار لبيع الأدوات الكهربائية والإلكترونية.




من أرشيف الموقع

حدث في 27 شباط / فبراير

حدث في 27 شباط / فبراير

حايد بكور: أمي أنت في عيني ملاك

حايد بكور: أمي أنت في عيني ملاك

حدث في 3 تشرين الأول / أكتوبر

حدث في 3 تشرين الأول / أكتوبر