بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (30): الإجتياح الإسرائيلي الأول: صيدا على مرمى مدفعية سعد حداد

حافظ ماضي / خاص موقع بوابة صيدا

كانت الفوضى العارمة المتجهة إلى القضاء على هيبة الدولة تهدف إلى تنفير اللبنانيين من الفلسطينيين ومن العمل الفدائي وتحميلهم المسؤولية المباشرة لما يجري بشكل مدروس ومخطط له, وكانت سبباً رئيسياً بل تمهيداً مدروساً للإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 سبقه حالة من الحرب العبثية والتقاتل في كل المناطق اللبنانية, كما سبق اجتياح 1982 اجتياح محدود للجنوب اللبناني عام 1978 يهدف إلى تسليم منطقة الشريط الحدودي حتى نهر الليطاني للضابط اللبناني المنشق العقيد سعد حداد الذي انشق عن قيادة الجيش اللبناني وقام بتأسيس جيش لبنان الحر ليكون أول قوة عسكرية لبنانية متعاملة مباشرة مع اسرائيل وتحت إمرتها مستمدا منها الدعم المالي والعسكري والغطاء السياسي والأمني.

أذكر تلك الفترة تماما حيث كانت مدينة صيدا مضرب عصا سعد حداد, فكلما ثار غضبه من الفلسطينيين كان يقصف المدينة التي كانت تضم العديد من القواعد ومراكز العمليات لتابعة لمنظمة التحرير وتعتبر المركز الأول الداعم للفدائيين والأقرب إلى مرمى مدفعيته, فاعتاد على قصفها مدة ثلاثة أعوام دون كلل ولا ملل موقعاً عدداً كبير من الضحايا والجرحى وأضراراً مادية فادحة ناهيك عن حالة الرعب التي سادت صيدا وجعلتها رهناً لمدفعية حداد, هذا القصف كان يستهدف غالبا الأحياء السكنية والبيوت والشوارع التجارية المكتظة, وكأن لهذا الرجل ثأر على صيدا والصيداويين فكان لا يتردد عن قصف المدينة كلما سنحت له الفرصة بذلك, أذكر أن وصية الصيداويين لأبنائهم قبل الخروج من البيت في تلك الأيام كانت: " انتبهوا من قصف سعد حداد ", لقد شكل هذا العميل حالة من الرعب والهلع في المدينة إذ كان الصيداوي يتوقع في كل لحظة سقوط قذيفة عليه من حيث لا يتوقع, وهذا ما استمر به بعد ذلك خليفته انطوان لحد الذي تابع قصف المدينة من حين لآخر بنفس الأسلوب وأوقع عدداً كبيرا من الضحايا خاصة عام 1994.

أصابت إحدى قذائف حداد عام 1981 العمارة التي نقطنها في حي سهل الصباغ وأصابت غرفة نوم منزل الجيران وسقطت مباشرة فيها ومن فضل الله ولطفه لم يكن أحد من أفراد العائلة في تلك الغرفة, يومها كنا في المدرسة وكان الخبر قد انتشر في المدينة عن سقوط تلك القذيفة, في طريق عودتنا إلى المنزل بباص المدرسة كان السائق وهو مسيحي يتحدث طوال الطريق بأسى عن مكان سقوط القذيفة, في غرفة النوم, وعند وصولنا إلى البيت حاول جاهداُ معاينة مكان سقوط القذيفة ولكن لم يفلح بسبب ان الجهة التي تعرضت للقصف كانت الجهة الخلفية الجنوبية للعمارة, كما أذكر سقوط الكثير من القذائف على الوسط التجاري للمدينة, فقد احترق محل البيلاني عند محلة الإشارة (بنك عودة) في شارع رياض الصلح بعد تعرضه لقذيفة فاحترق المحل وقتل كل من البيلاني الأب والإبن في تلك الحادثة. كان قصف حداد لمدينة صيدا جلداً بسوط غليظ يطال الأماكن الموجعة بطريقة مباغتة ملؤها الغدر والوحشية, فتخيل معي أنك معرض في كل لحظة وفي كل وقت وفي كل مكان لكتلة لهب آتية من السماء تسقط لتحرق الاخضر واليابس, أذكر ان وصية الناس لبعضعها البعض كانت قبل الخروج: " انتبهوا من قصف سعد حداد", حتى أذكر أن جدتي كانت دائماً تحذرنا وتقول: " انتبهوا لا تلعبوا في الخارج فقد يقصف سعد بلوط ".

أذكر مرة أن العقيد حداد كان ينتظر مولوداً جديداً ونُقِلَ عنه أنه قال: " اذا أجاني بنت فسأقصف صيدا" وكان الصيداويون ينتظرون الولادة بفارغ الصبر متشوقين لمعرفة جنس المولود أكثر من حداد نفسه حتى يعلموا كيف ستكون شكل الأيام المقبلة عليهم, فأكثر الناس من الدعاء بأن يُرزق حداد بصبي حتى تتجنب المدينة قصفا عشوائيا, وفي النهاية على ما أذكر جاء المولود صبيا ذكرا ولم يقصف حداد المدينة, وأذكر أن إحداهن قالت في جلسة عائلية أن الله رزق سعد حداد بذكر ليجنب البلد مجزرة دامية, ذكر الله الذي بدأ يعود ليتصدر أحاديث الناس بعد غياب قسري بسبب الافكار اليسارية والاشتراكية التي انتشرت في الخمسينات والستينات وكذلك بسبب حب الدنيا وملذاتها مما أدى للإبتعاد عن الطاعات والالتزام بشرع الله, وكأن الإنسان يحتاج دائما الى ضربات موجعة ليتذكر الذي خلقه.




من أرشيف الموقع

مقام الصحابي شرحبيل بن حسنة

مقام الصحابي شرحبيل بن حسنة