بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الحلقة (29): نهاية السبعينات: الفوضى العارمة وطمس معالم الدولة

حافظ ماضي / خاص بوابة صيدا

بعد انتهاء حرب السنتين1975 - 1977, بدأ يطغى على أذهان الكثير من اللبنانيين وفي أوساط المسيحيين والمسلمين فكرة إنهاء الكيان اللبناني تماماً وتقسيمه جغرافياً وفرزه سكانياً, فبدأ عصر جديد من الفوضى والفلتان الأمني اللامتناهي الذي لا يعرف حدوداً ولا أخلاقاً ولا ضوابط, بغية إضعاف هيبة الدولة وكسر سلطتها والإنتقال إلى سلطة المليشيات والاحزاب والعصابات والتنظيمات المسلحة, فأصبح الشارع للأقوى والأشرس والأقدر على الصمود في جوَّ قتالي غرائزي موبوء, الكلمة فيه باتت للرصاصة والبندقية وسفك الدماء دون وجه حق.

ولتثبيت تلك الفكرة وترسيخها في عقول المواطنين ولكسر هيبة الدولة بل سحقها, عمد بعض الفتية والشبان إلى الهجوم على سراي صيدا وقصر العدل بدعم من بعض القيادات الصيداوية الشابة التي لم تكن تدرك خطورة ما هم مقدمون عل فعله, فقاموا بإتلاف محتويات المقرين وإضرام النيران في الملفات والمستندات والوثائق والملفات التي تعود للمواطنين, فتم إحراق دائرة النفوس في المدينة وأًضرمت النيران في مختلف دوائر قصر العدل السراي الحكومي حيث توجد الدوائر المالية والعقارية وأمانة السجل التجاري والمحاكم والنيابة العامة, فالمقران كانا مجمعين رئيسيين لمختلف الدوائر الحكومية والرسمية المولجة بتيسير وتسيير أمور المواطنين وتنظيمها وضبطها.

كان أبو العبد* موظفاً في قصر العدل يعمل كمساعد قضائي, وكان من مهامه حفظ ملفات القضايا وترتيبها وأرشفتها, روى لي المشاهد الاولى لقصر العدل بعد إحراقه, كان المشهد مهولاً, فقد تم تخريب وتكسير معظم محتويات القصر والنار أتت على معظم الملفات الموجودة, فقام مع عدد من الموظفين بإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتم سحب الملفات والأوراق التي سلمت من النار وتم توضيبها وتخزينها في مكان آمن وتم إقفال قصر العدل حتى إشعارٍ آخر.

في يوم من أيام تلك المرحلة الصعبة, قرر أبو العبد النزول إلى مقر عمله في قصر العدل, ولما هم بالدخول إلى مكتبه وجد في الردهة رجلاً ضخماً حافي القدمين يحمل قضيباً من الحديد, فسأله أبو العبد بلهجة المسؤول عن المكان: " ماذا تفعل هنا؟", فما كان من الرجل إلا أن ضرب الأرض غاضباً بقضيب الحديد ضربةً هزت المكان وقال لأبي العبد بنبرة متوحشة وبلهجة المكلف بالسيطرة على المكان: " أنت ماذا تفعل هنا ", فما كان من أبي العبد إلا أن انسحب دون أن ينطق بكلمة من مكان عمله وعاد أدراجه إلى المنزل.

كذلك تم اقتحام السجون وفتحت أبوابها وانطلق منها المجرمون أحراراً إلى عالم أصبح بأمس الحاجة لأمثالهم, فرَّ معظم السجناء والمحكومين والموقوفين, بدأت السرقات والعصابات بالإنتشار وبدأ التزوير والتزييف يسري على بطاقات الهوية وإخراجات القيد والأوراق الثبوتية والمعاملات الرسمية وحتى الشهادات المدرسية والجامعية, وبدأت الدولة بل شارفت على الإختفاء نهائياً من حياة الناس, وصرنا نحن الفتية الصغار نردد عبارة لا زلت أذكرها حتى الآن كلما شاهدنا واقعةً أو مشهداً غير قانوني: " لو في دولة لما كان حدث هذا ", " لو الدولة موجودة لا يتجرأ أحد على فعل كذا وكذا ".

لم يعد أحد يكترث لرجل الأمن ولا للموظف الحكومي بعد أن كان لهم الهيبة والوقار وكان الناس يحسبون لهم ألف حساب, فرجل أمن واحد كان يحفظ الأمن في مخيم عين الحلوة بأسره, وكان المواطنون في كل أنحاء لبنان لا يترددون في تنفيذ التعليمات الحكومية والرسمية التي كانت من البديهيات في حياتهم اليومية, ولكن بعد إسقاط هيبة الدولة لم يعد أحد يكترث لذلك وصار الكثيرون يتخلفون عن دفع فواتير الكهرباء والهاتف والمياه والرسوم البلدية, وأصبح عنصر قوى الامن أو الجيش مدعاة للإستهزاء والإستخفاف وعنصر ضعيف يحتاج لمن يحميه, فأصبحت الدولة كالأم التي ترضع أبنائها دون أن تتلقى الغذاء والماء, وهذا ما ادى لاحقاً إلى انهيار الوضع الإقتصادي في لبنان إبتداءً من 1983 وصولاً إلى أيامنا هذه.

لم يكن الناس يعلمون أنهم سيدفعون ثمن طمسهم لمعالم دولتهم وحكومتهم غالياً, ولم يكن أحد يستطيع أن يرى جلياً مرحلة ما بعد انهيار الدولة, فالجميع شعر براحة ومكسب على المدى القريب المنظور بتجاهله وامتناعه عن تسديد ما يتوجب عليه للدولة ولكن لم يكن أحد ليدرك أن ما يقوم به سيدفع ثمنه لاحقاً انهياراً اقتصادياً وأمنياً وسياسياً وكيانياً.

* (أبو العبد شخصية صيداوية سيتكرر ذكرها في الذاكرة تجسد الإنسان الباحث عن الحق في هذا المجتمع التائه).




من أرشيف الموقع

حدث في 14 نيسان / أبريل

حدث في 14 نيسان / أبريل

مسجد عز الدين القسام

مسجد عز الدين القسام

عصفوري ... طار وعلا

عصفوري ... طار وعلا

إحتلال عكا ملحمة الثلاث سنوات

إحتلال عكا ملحمة الثلاث سنوات