بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - 852م: وفاة عبد الرحمن الثاني رابع أمراء الدولة الأموية في الأندلس

بوابة صيدا ـ في 23 أيلول / سبتمبر 852م/ (3  ربيع الآخر 238هـ) وفاة عبد الرحمن بن الحكم الأول بن هشام، المعروف بعبد الرحمن الثاني (أبو المُطَرِّف) رابع أمراء الدولة الأموية في الأندلس، حكم أكثر من إحدى وثلاثين سنة، عُدّت فترة حكمه من أزهى عصور الإسلام في الأندلس.

ولد عبد الرحمن بن الحكم في طليطلة في شعبان من عام 176 هـ  للأمير الحكم بن هشام من أم ولد تدعى "حلاوة"،وفي 11 ذي الحجة 206 هـ، حين اشتد المرض على والده، أوصى بالعهد إلى ابنه عبد الرحمن ومن بعده ابنه المغيرة بن الحكم، وأمر بأخذ البيعة لهما، وقد بويع بالإمارة خلفًا لوالده في 27 ذي الحجة 206 هـ.

لم يمض شهر واحد من حكم عبد الرحمن حتى شهد أولى الثورات على حكمه، وهي ثورة الذميين في قرطبة في المحرم من عام 207 هـ، التي كان سببها ظلم والٍ كان للحكم بن هشام على إلبيرة، فأقبلوا إلى قرطبة يطلبون الأموال التي كان ظلمهم بها وألحوا في الطلب، فبعث عبد الرحمن من يفرقهم ويسكتهم، فلم يقبلوا. فخرج إليهم جمع من الجند قاتلوهم، وقتلوا منهم عددًا كبيرًا‏.‏

وفي العام نفسه، حدث اقتتال بين القبائل المضرية واليمانية في تدمير، ظل يتجدد لسبع سنوات، كلما بعث لهم عبد الرحمن بجيش لفض القتال، انتهوا. ومتى قفل الجيش راجعًا عادوا للقتال.

وفي نفس العام، حدثت مجاعة عظيمة بعدما هاجم الجراد الأندلس، فتكفل عبد الرحمن بإطعام ضعفاء ومساكين قرطبة.

وفي عام 211 هـ، ثار رجل يدعى طوريل في تاكرنا، فبعث له عبد الرحمن بجيش هزمه.

وفي عام 216 هـ، ثار رجل يدعى هاشم الضراب في طليطلة، وتجمع له مناهضي الحكم الأموي في الثغر الأوسط، فأمر عبد الرحمن واليه محمد بن رستم بمحاربتهم، واقتتلوا قتالاً شديدًا انتهى بهزيمة هاشم وعدد كبير ممن معه.

وفي عام 220 هـ، ثار سليمان بن مرتين في ماردة، فخرج له عبد الرحمن بنفسه في جيشه، وحاصره فترة قبل أن يموت سليمان في حادث، لتنتهي بذلك ثورته.

وفي العام التالي، أخضع جيش بعثه عبد الرحمن ثورة طليطلة.

وفي عام 232 هـ، سير عبد الرحمن ابنه محمد إلى تطيلة لقتال موسى بن موسى الذي ثار عليه وتحالف مع البشكنس، فقاتله حتى طلب موسى الصلح، فأجازه. ثم سار محمد إلى بنبلونة، فأوقع بالبشكنس الخسائر، وعاد غانمًأ إلى قرطبة.

وفي نفس العام، أصاب الأندلس قحط شديد، أهلك الماشية وأجهد الأندلسيين.

وفي عام 235 هـ، عاد موسى بن موسى للعصيان، فأخرج له عبد الرحمن جيشًا أعاده للطاعة.

وفي عام 236 هـ، ثار رجل من البربر يدعى حبيب البرنسي في جبال الجزيرة الخضراء، فبعث إليه جيشًا هزمه وأتباعه، وفر حبيب البرنسي.

وفي عام 237 هـ، ادعى رجل من شرق الأندلس النبوة، وتأوّل القرآن على غير تأويله، فتبعه عدد من الناس، وكان من تعاليمه النهي عن قص الشعر وتقليم الأظافر، فأمر بالقبض عليه، واستتابه فأبى، فأمر بصلبه.

رغم الثورات والتوترات الداخلية، إلا أن عبد الرحمن خاض معارك مع أعداء الأمة، تارة قاد الجيش بنفسه، وأحياناً بواسطة قادة من جيشه.

في عام 208 هـ، بعث عبد الرحمن حملة بقيادة عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث غزت ألبة والقلاع، ردًا على هجوم ألفونسو الثاني ملك أستورياس على مدينة سالم، غنمت من تلك المناطق وعادت سالمة.

كما بعث بجيش بقيادة عبيد الله بن عبد الله البلنسي إلى برشلونة، فحاصرها ستين يومًا دون أن يفتتحها.

وبين عامي 223 هـ و 228 هـ، كان عبد الرحمن يوجّه الجيوش الواحد تلو الآخر لغزو جليقية بعضها كان بقيادته، ولم يمن أي منها بالهزيمة.

تأسست مرسية في عهد عبد الرحمن الأوسط عام 210 هـ/825 م، وجعلها قاعدة لكورة تدمير.

وفي عام 229 هـ، جاءته الأخبار من عامله على أشبونة يخبره بنزول 54 سفينة للنورمان على الساحل، فأمره هو وعمّال المدن الساحلية بالتأهب.

وفي العام التالي 230 هـ، عاد النورمان بثمانين مركبًا نزلوا بها أشبونة فاحتلوها، ومنها إلى قادس فشذونة ثم إشبيلية، فأخرج لهم عبد الرحمن جيشًا بقيادة حاجبه عيسى بن شهيد، أتبعه بجيش آخر بقيادة نصر الخصي، استطاعا هزيمة النورمان بعناء، لتنتهي حملتهم التي استمرت 42 يومًا، قتلوا فيها عددًا كبيرًا من المدنيين في المدن التي احتلوها، وأوقعت بهم جيوش المسلمين خسائر عظيمة في الأرواح والسفن.

بعد أن انتهت أزمة النورمان، عاد عبد الرحمن إلى عادته، فأرسل جيشًا بقيادة ابنه محمد حاصر مدينة ليون، وضيّق عليها، مما أضطر الكثير من أهلها إلى الفرار واللجوء للجبال.

وفي عام 234 هـ، وجّه عبد الرحمن حملة بحرية من ثلاثمائة سفينة لتأديب أهل جزيرتي ميورقة ومنورقة لنقضهم العهد، ومهاجمتهم سفن المسلمين، فأوقعت بهم خسائر كبيرة.

وفي عام 232 هـ، لجأ ويليام السبتماني إلى عبد الرحمن لمعاونته في ثورته على شارل الأصلع، فأمر عبد الرحمن عمّاله على الثغر الأعلى معاونته، وإمداده بما يلزمه. فاستطاع ويليام تحقيق انتصارات على قوات لويس في بعض المعارك، واستولى على برشلونة وجرندة.

وفي عام 237 هـ، هاجم الغاسكونيين شمال الأندلس، فخرج لهم موسى بن موسى بن قسي، وألتقوا في البيضاء بالقرب من بقيرة، ودارت معركة كبيرة، انتهت بهزيمة الغاسكونيين.

شهد نهاية عهد عبد الرحمن بن الحكم وبداية عهد ابنه محمد، حدثًا فريدًا من نوعه وذلك بإقدام جماعة من المسيحيين على تحدي سلطات ومشاعر المسلمين عن طريق سب الدين الإسلامي وسب نبيه، والتي كان ورائها قس مسيحي يدعى إيولوخيو الذي ألّب بعض مسيحيي قرطبة وأثارهم ضد المسلمين، ودون كتيبًا بعنوان شهداء قرطبة جمع فيه الأحكام التي صدرت بإعدام 48 مسيحيًا بعضهم من الرهبان والكهنة الكاثوليك في الأندلس في الفترة بين عامي 236هـ/851م و 244هـ/859م، بتهمة سب الدين الإسلامي وسب نبيه، إضافة إلى المسلمين أو أبناء التزاوج بين المسلمين والمسيحيات الذين ارتدوا عن الإسلام. لم يرد ذكر تلك الأحداث في المصادر العربية أو حتى الإفرنجية المعاصرة لتلك الفترة، وكان مصدرها الوحيد هو القس إيولوخيو نفسه الذي هو أحد الثمانية وأربعين مسيحيًا الذين أعدموا، مما جعل الأمر برمته مثار شك.

وكان لعبد الرحمن أعمال كثيرة خلال فترة حكمه، أهمها:

في عام 210 هـ، أمر ببناء جامع جيان، كما أمر والي تدمير بنقل عاصمة تلك الكورة إلى مرسية.

وفي عام 218 هـ، قام عبد الرحمن بإضافة بهوين في جامع قرطبة، ولكنه مات قبل أن يتمها، فأتمها ابنه محمد.

وفي عام 224 هـ، أصلح قنطرة سرقسطة.

وفي عام 230 هـ، بنى جامع إشبيلية، ودعم أسوارها بعد انتهاء هجوم النورمان. كما أمر ببناء ترسانة للسفن في إشبيلية، وتجهيز أسطول بحري، لمواجهة أي هجوم محتمل من قبل النورمان.

اهتم عبد الرحمن بالعمارة، فشيّد القصور والمتنزهات، التي جلب لها المياه من الجبال. كما أقام الجسور على الأنهار، وبنى العديد من المساجد في مدن الأندلس. كما عظمت التجارة والاقتصاد في عهده فبلغ خراج الأندلس في السنة في عهده، ألف ألف دينار.

وفي بداية عهده دخل زرياب الأندلس، بعد أن كان قد أخذ الإذن بالدخول من الأمير الحكم بن هشام قبل وفاته.

شهد عصر عبد الرحمن بعض العلاقات الدبلوماسية مع بعض الممالك في عهده. ففي عام 225 هـ، أرسل إليه الإمبراطور البيزنطي ثيوفيلوس سفارة مودة بالهدايا، فقبلها عبد الرحمن، وردّ عبد الرحمن السفارة بأن بعث سفيره يحيى الغزال بالهدايا إلى القسطنطينية للإمبراطور.

كما شهد عصر عبد الرحمن أيضًا سفارة أخرى من قبل هوريك الأول ملك النورمان بطلب للصلح والمهادنة، بعد غزو النورمان لغرب الأندلس، والتي ردها عبد الرحمن بأن بعث سفيره يحيى الغزال، إلى بلاط هوريك في رحلة عاد منها بعد عشرين شهرًا.

أما صفة وشخصية عبد الرحمن، فقد وصفه ابن حيان القرطبي قائلاً: «كان أشمّ، أقنى، أعين، أسود العينين، طوال فخم، مسبل، عظيم اللحية، يخضب بالحناء.»

أما عن شخصيته فقد كان عبد الرحمن بن الحكم حليمًا جوّادًا، له حظ من الأدب والفقه وحفظ القرآن ورواية الحديث. إلا أنه كا يعشق مظاهر البذخ والفخامة، ويسمو بمكانته ويحتجب عن العامة.

كان نقش خاتمه "عبد الرحمن بقضاء الله راض" وقد كان عالمًا بشؤون الحرب والإدارة، ويحسن اختيار الرجال للمناصب، فكان يحشد خيرة الرجال حوله في مناصب الوزراء والقادة والولاة والقضاة. وكان أول من ألزم وزرائه بالقدوم إلى قصره كل يوم للمشورة وأخذ الرأي. كما مضى على سنة والده في الاستكثار من الموالي والصقالبة حتى بلغ عددهم خمسة آلاف مملوك.

كما كان يعظم من شأن رجال الدين، وحظي عنده يحيى بن يحيى الليثي خاصة بإيثاره، فكان لا يستقضي قاض ولا يعقد عقدًا ولا يمضي في الديانة أمرًا إلا عن رأيه وبعد مشورته.

توفي عبد الرحمن بن الحكم في 3 ربيع الآخر 238 هـ، وصلى عليه ولده محمد، ودفن بقصر قرطبة. وقد كان لعبد الرحمن 83 ولدا وبنتا.

أربعون ابنا عُرف منهم: محمد، الحكم، سليمان، المطرف، المنذر، هشام، يحيى، مروان، مسلمة، أمية، عبد الملك، الأصبغ، عبيد الله، سعيد، بكر، عبد العزيز، العاصي، عبد الله، عمر، طريف، الوليد، عبد الجبار، أحمد، العباس، موسى، القاسم، إسماعيل، يزيد، إسحاق، عبد الواحد، الغمرُ، إبراهيم، عمرو، يعقوب، المغيرة، عثمان، الغريض.

وثلاثٌ وأربعون بنتًا عرف منهن: أسماء، عاتكة، عائشة، أم الأصبغ، أم هشام، فاطمة، عبدة، أمة العزيز، أم كلثوم، أم عمرو، زينب، عُبيدة، ناشدة، قسيمة، عتيكة، كنزة، عزيزة، أم حكيم، ميّة، ولاّدة، أم أبان، أمة الوهاب، ظبى، أمة الرحيم، رقية، أم عثمان، أم موسى، أمة الرحمن، رحيمة، هُشيمة، أمة الملك، بُريهة، تملال، المنى، حكيمة، أم سلمة، آمنة، عُليّة.




من أرشيف الموقع