بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - لمحاتٌ في السِّياق القُرآنيِّ: جائزة الأمَّة في إجازة الجمُعة

الدكتور محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

يقول الله تعالى: {وَقُرآنًا فَرَقناهُ لِتَقرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكثٍ وَنَزَّلناهُ تَنزيلًا} [الإسراء: ١٠٦].

لم تخفَ الحِكمةُ من تنزُّل القرآنِ مُنجَّمًا مدَّةَ البِعثة النَّبويَّة حتى انتهض العلماءُ للتأمُّل في السرِّ الإلهيِّ المستودَع في ترتيب القرآن على ما هو عليه في المصاحف الشَّريفة وهم يتلون كلام الله سبحانه {أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ وَلَو كانَ مِن عِندِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدوا فيهِ اختِلافًا كَثيرًا} [النساء: ٨٢]، وبيان تناسب السُّور في ما بينها وهي تأخذ بيد بعضها.

بالمقابل، تفرَّغ بعضُ أهل العلم للتَّفسير الموضوعيِّ للقرآن، ومنهم من سار في التَّفسير على حسب النُّزول لا على نسق التَّرتيب، فخلصوا إلى حِكم وأسرار ومقاصدَ عظيمةٍ.

فكيف يمكن أن نرصد الأبعاد التأثيليَّة والمقاصد التشريعيَّة والغايات التربويَّة لترتيب سورة الجمعة وهي تلقي بظلالها على وظائفها القِيميَّة والسُّلوكيَّة؟

سورة الجمعة سورة مدنيَّة تنتظم الرُّبعَ الخامسَ من الحزب السَّادس والخمسين للجزء الثًّامن والعشرين.

وهي من السُّور المتوسِّطة الطُّول في قسم المفصَّل من الذِّكر الحكيم.

عدد آياتها إحدى عشرة آية، نزلت بعد سورة الصفِّ وهي كذلك في التَّرتيب، وتلتها بالنُّزول سورةُ الفتح. وترقيم سورة الجمعة في التَّرتيب 62/114، وفي النُّزول 110/114.

لا يمكن تكوين صورة كاملة عن دور يوم الجمعة وأهمِّيَّته في المنظومة الإسلامية وترشيد المجتمع وتربيته على القِيم الأخلاقيَّة بمعزِل عن تأمُّل موقع سورة الجمعة في المصحف الشَّريف ثمَّ سياق آياتها وهي تجسِّد وحدةً موضوعيَّة متكاملة مع سباقها ولحاقها، ومن يفعل فإنَّه حتمًا سيتوصَّل إلى نتيجة مختلِفة عن تلك التي سبق أن تصوَّرها تحت وطأة أجواء متشعِّبة في الخارج.

وبالعودة إلى سورة الجمعة نراها قد توسَّطت في التَّرتيب المصحفيِّ سورتي الصف والمنافقون، في إشارة قرآنيَّة لطيفة إلى إظهار ما تمثِّله سورةُ الجمعة روحًا ومضمونًا من أبعاد إيمانيَّة ومبادئَ تربويَّة يتطلَّبها المجتمع المسلم المتضامِن في ما بينه، بحيث يشكِّل مُجتمِعًا إلى بعضه صفًّا واحدًا بقلب واحد، وأنَّ من شذَّ عن هذا الصفِّ وهذا الجمع فهو على خطر عظيم إن لم تتداركه رحمةُ الله فمصيرُه الدَّركُ الأسفلُ من النَّار!

والمتدبِّر لسورة الصف يراها كالتَّوطئة التمهيديَّة لسورة الجمعة وما تمحَّضته من مكرُمةٍ ربَّانيًّة هديَّةً مُهداة لهذه الأُمَّة المرضيَّة، حيث تحدَّثت سورةُ الصَّف عن كليم الله موسى وقومه، ثمَّ عن روح الله عيسى وبني إسرائيل وبشارته بخليل الله محمَّد صلى الله عليه وسلم، وخُتمت السُّورة ببيانِ التِّجارة الرَّابحة والإشادة بالحواريين الذين آمنوا بالمسيح ابن مريمَ وصدَّقوه واتَّبعوا الحقَّ الذي ورد التَّنويهُ به على لسان نبيّهم، فناسب أن يكون هو نفسُه صدرَ السُّورة التَّالية وهي سورة الجمعة حيث استفتحت بالتَّسبيح بصيغة المضارع لإفادة التَّنزيه المستمرِّ في حقِّ الله عن الصُّدفة أو العبثيَّة وهو يدير الكون بمشيئته العليَّة حسب ما يوفِّر المصلحة الحقيقيَّة للكون والحياة والإنسان، بتجلِّياتٍ واضحاتٍ تقطع الطَّريق أمام أيِّ استفتاء موهوم على الثَّوابت والمسلَّمات، وتوقظ الوسنان الغافل عن كون البدهيَّاتِ خارجةً عن دائرة التَّصويت، ولا تقبل نظريَّةَ الأكثريَّ والأقلِّيَّة، لأنَّها أرقى وأقدس من أن يتدخَّل فيها المخلوق كونها من تدبيرات الوحي.

إنَّ سورة الجمعة إذ تمتنُّ على العرب بإرسال نبيٍّ من أنفسهم قد سبقت البِشارةُ به على لسان النَّبيِّ قبلَه؛ فإنَّها من جهة أخرى تندِّد بواقع يهود الذين جحدوا نبوَّة من بشَّرت به الرِّسالاتُ وسُطِّر اسمه في التوراة، وخانوا الأمانة التي حُمِّلوها، والتي من جملتها المحافظة على يوم الجمعة، فضيًّعوها، حتى إذا جاءت هذه الأمَّة اهتدت إليها، فوعتها وحملتها وقامت بها على خير قيام وأفضله، فكانت التِّجارةَ الرَّابحةَ التي لوَّحت بها سورةُ الصَّف قبلُ.

وينجم عن هذه التَّرتيب البديع الإيماءُ إلى خطر تضييع هذه الأمانة، أمانة الجمعة، ممَّا يؤذن بغضب من الله ينعت صاحبَه في الدُّنيا بالنِّفاق، ويتسبَّب له في الآخرة بشديد العذاب وأليم العقاب.

من هذا المنطلق يمكن أن نفهم أهميًّة يوم الجمعة والدَّورَ الرِّياديَّ لمنبره الرَّشيد وحاجةَ الوطن والحكومة والشَّعب إليه، نظرًا لما يمارسه من دور فاعل في خلق الإنسان السَّويِّ والمواطن الشَّريف والمسؤول المؤتمَن.

تأسيسًا على ما سبق، فإنَّ المؤمن لمَّا كان يحتاج إلى التَّحضُّر والاستعداد للجمعة بما لا يشغله عنها أو يزاحمه عليها. ولمَّا كان ذلك لا يتأتَّى إلاَّ بالتفرُّغ لها تفرُّغًا تامًّا والتَّخلي عن مشاغل الحياة التي تنهك الجسدَ، وتصرف القلبَ عن استجماع الفِكر وتُشتِّت العقلَ والرُّوح وجدانيًّا ونفسيًّا؛ تحتَّم ساعتئذٍ التَّمسُّكُ بتعطيل يوم الجمعة عن كلِّ ما يكون عائقًا دون تحقيق الغاية المرجوَّة من تشريعه. وذلك من خلال استعادة الحقِّ الذي سُلب من الأمَّة، وتكريس الجمعة شعيرةً دينيَّة، على الدَّولة واجبَ صيانتها وحمايتها وتأمينها لأهلها وهي تقدِّم فروضَ الإجلال لله الخالق. وهذا ما درجت عليه الأمَّة في ماضيها وحاضرها.

فلماذا الالتفافُ عليها؟ ولمصلحة مَن محاولةُ تضييق الخناق وسلبها حقوقها؟!




من أرشيف الموقع

 زلزال يدمر مدينة صيدا

زلزال يدمر مدينة صيدا