خبر عاجل
بوابة صيدا - لا يوجد صورة
صفحات من التاريخ

بوابة صيدا ـ ولد عبد الحميد الثاني يوم الأربعاء في شعبان 1258 هـ/ 21 أيلول / سبتمبر 1842 في "قصر جراغان" في إسطنبول ابناً للسلطان عبد المجيد الأول والسلطانة "تيرمُجگان" الشركسية الأصل التي ماتت وهو في العاشرة من عمره، فاحتضنته (كبيرة المحظيات) "برستو هانم" وتعهدت بتربيته، فصارت أمه معنوياً وتقلدت مقام السلطانة الأم لمدة ثمان وعشرين سنة عند حكمه.

درس الموسيقى في شبابه ودرس الخط وتعلم اللغتين العربية والفارسية بالإضافة إلى الفرنسية والأدب العثماني والعلوم الإسلامية على يد علماء عصره بدءًا من عام 1266 هـ/1850 م، وأتم دراسة البخاري في علم الحديث، وتعلم السياسة والاقتصاد على يد وزير المعارف. وذهب عبد الحميد في فترة تولي السلطان عبد العزيز الأول العرش مع وفد عثماني في زيارة إلى مصر ثم إلى أوروبا استغرقت رحلة أوروبا من 21 حزيران / يونيو إلى 7 آب / أغسطس عام 1867 زار فيها فرنسا وإنكلترا وبلجيكا والإمبراطورية النمساوية المجرية وألمانيا.

امتهن عبد الحميد النجارة وقد بدأ شغفه بها على أيام والده السلطان عبد المجيد الأول الذي كان أيضاً محبا لها أيضاً وكان إلى جانب والده رجل اسمه خليل أفندي تعلم على يده. ومحباً للرياضة والفروسية. عرف السلطان بتدينه وتقول ابنته عائشة بخصوص هذا الموضوع « كان والدي يؤدي الصلوات الخمس في أوقاتها، ويقرأ القرآن الكريم، وفي شبابه سلك مسلك الشاذلية، وكان كثير الارتياد للجوامع لا سيما في شهر رمضان.» انتسب إلى جمعية العثمانيين الجدد في بداية تأسيسها لكنه تركها بعد أن أكتشف نواياهم المضرة بالدولة. وبعد مذابح الأرمن في عهده أطلق عليه معادوه لقب "السلطان الأحمر" و"قاتل الأرمن".

تولى عبد الحميد الحكم في 11 شعبان 1293 هـ/31 أغسطس 1876م خلفاً لأخيه السلطان مراد الخامس،. وتوجه في الموكب الملكي إلى ضريح أبو أيوب الأنصاري، وهناك تقلد السيف السلطاني وفق العادة المتوارثة مذ أن فتح العثمانيون القسطنطينية، ومنه سار لزيارة قبر والده السلطان عبد المجيد الأول، ثم ضريح محمد الثاني فاتح إسطنبول، ثم قبر جده محمود الثاني مبيد الانكشارية، ثم قبر عمه عبد العزيز الأول.

بويع عبد الحميد الثاني بالخلافة وعرش السلطنة، عندما كانت البلاد تمر في أزمات حادة ومصاعب مالية كبيرة، وتشهد ثورات عاتية في البلقان تقوم بها عناصر قومية تتوثبّ لتحقيق انفصالها، وتتعرض لمؤامرات سياسية بهدف اقتسام تركة "الرجل المريض". ومنذ اليوم الأول لارتقائه العرش، واجه السلطان عبد الحميد موقفًا دقيقًا وعصيبًا، فقد كانت الأزمات تهدد كيان الدولة، وازدادت سرعة انتشار الأفكار الانفصالية، وأصبح للوطنية معنى جديد أخذت فكرته تنمو وتترعرع في الولايات العثمانية، ووجد السلطان نفسه مشبع بالثورة والاضطراب.

دامت هذه الفترة مدت سنة ونصف من 31 آب / أغسطس 1876م حتى 13 شباط / فبراير 1878م وهذا الدور لم يكن فيه للسُلطان عبد الحميد القول الفصل وإنما كان لمدحت باشا ومن معه واستمر فيه عبد الحميد بمداراتهم، وخلال هذه الفترة استقال رشدي باشا من منصب الصدر الأعظم فعين السلطان مدحت باشا محله، وكانت حركات العصيان قد انتشرت في أرجاء الدولة، وعقد مؤتمر ترسانة الذي كان هدفه الوصول إلى حل بين الدولة العثمانية والمشكلة الصربية بحضور مرخصين من الدول الأوروبية وروسيا وكرر كبير المرخصين الإنكليز اللورد سالزبوري رفضه لحرب روسية عثمانية، وكذلك القيصر الروسي ألكسندر الثاني الذي مال إلى السلمية، ولكن مدحت باشا ناصر إعلان الحرب على روسيا ولم يبال بالسلطان الذي كان رافضاً. بإصرار من مدحت باشا أعلنت الدولة المشروطية الأولى ونشرت القانون الأساسي.

تجددت الثورة في إقليميّ البوسنة والهرسك، واستمرت في بلغاريا، وكان الصرب والجبل الأسود في حالة حرب مع الدولة. ولهذه الأسباب تدخلت الدول الأوروبية لاستغلال الموقف بغية تحقيق مصالحها بحجة إحلال السلام. فشجعت روسيا والنمسا الصرب والجبل الأسود على حرب العثمانيين، حيث رغبت النمسا بضم البوسنة والهرسك، بينما رغبت روسيا بضم الأفلاق والبغدان وبلغاريا، ووعدت روسيا النمسا والصرب والجبل الأسود بالوقوف بجانبهم إذا قامت حرب بينهم وبين العثمانيين. وبالفعل قامت الحرب بين الدولة العثمانية وتلك الدول، إلا أن الجيوش العثمانية استطاعت الانتصار ووصلت إلى مشارف بلغراد، غير أن تدخل أوروبا أوقف الحرب.

أرسلت الدول الأوروبية الكبرى لائحة للدولة العثمانية تقضي بتحسين الأحوال المعيشية لرعاياها النصارى، وإجراء إصلاحات في البوسنة الهرسك وبلاد البلغار، وتعيين الحدود مع الجبل الأسود، ومراقبة سفراء الدول الأوروبية تنفيذ هذه اللائحة، وعندما وصلت اللائحة للسلطان عرضها على مجلس المبعوثان (الذي كان رافضاً جر البلاد للحرب بسبب تردي الأحوال الداخلية والخارجية)، فرفض المجلس اللائحة؛ لأن هذا يعتبر تدخلاً صريحًا في شؤونها باسم حماية النصارى، وحتى لم تُستشار الدولة بخصوصها ولم تشارك في مناقشتها، فاستغلت روسيا رفض اللائحة واعتبرته سبباً كافياً للحرب، وقطعت علاقاتها السياسية مع الدولة العثمانية، وأعلنت الحرب، وفي هذه المرة تركت أوروبا روسيا لتتصرف كيفما تشاء مع العثمانيين، فاحتلت الأفلاق والبغدان وبلغاريا ووصلت أدرنة وأصبحت على بعد 50 كيلومترًا فقط من إسطنبول، كذلك دخلت جيوشها الأناضول، وعادت الصرب والجبل الأسود لتعلن الحرب على الدولة العثمانية، فاضطرت الأخيرة إلى طلب الصلح، وأبرمت معاهدة سان ستيفانو مع روسيا.

دعت هذه النكبة السلطان عبد الحميد إن يعطل مجلس المبعوثان وحله إلى أجل غير مسمى في 7 ذي الحجة 1294هـ بعد أن اجتمع المجلس واستمع إلى خطبة باسم السلطان، ثم صدر أمر بحله. دام هذا الدور بعد حل المجلس حوالي ثلاثين عاماً وهذه السنوات هي التي أدار فيها السلطان الدولة إدارة فردية ويسمى دور الحكم الفردي للسلطان عبد الحميد الثاني وينعته المعارضون ومؤرخي العهد الجمهوري التالي بدور الاستبداد. ولا يحمل المؤرخين والمحققين ما حدث في هذا الدور إلى السلطان.

استاءت بريطانيا من قرار تعطيل المجلس فحرضت أحد العثمانيين الجدد وهو علي سعاوي باقتحام قصر جراغان وهو مقر سكن السلطان مراد المخلوع، وحاولوا خلع السلطان عبد الحميد وتنصيب مراد الخامس بدلاً منه ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل وسُميت هذه الواقعة "بواقعة أو حادثة جراغان" أو "واقعة علي سعاوي". توفي في هذه الحادثة 23 متمرداً وجرح منهم 15 وحوكم الكثيرون منهم في المجلس العرفي العسكري ولم يصدر بحق أحد منهم حكم الإعدام. على أعقاب هذا الحدث ومشاهدة عبد الحميد خلع سلفيه عمه عبد العزيز الأول وأخيه مراد الخامس وحيث لم يكن زمن هذه الحادثة متوقعاً، شكل السُلطان تشكيلات أمنية استخباراتية وسميت "المنظمة الخفية" أو جهاز الأمن السري ويسمون بالتركية العثمانية "خافيه" والتي تعني "تحري" بالرغم من أن أعضاء هذه المنظمة أقلقوا راحة الشعب خلال 30 عاماً وحدوا من حرياتهم إلا انهم خدموا أمن الدولة طيلة هذا الوقت.

طلب السلطان عبد الحميد من الروس، على أعقاب حرب 93 معاهدة لإيقاف الحرب وهي معاهدة سان ستيفانو، وتنص على أن تعترف الدولة باستقلال الصرب والجبل الأسود والأفلاق والبغدان وبلغاريا، وتنازلت أيضًا عن عدة مدن في آسيا، ويتعهد الباب العالي بحماية الأرمن النصارى من الأكراد والشركس، واصلاح أوضاع النصارى في كريت، ويبقى مضيقي البوسفور والدردنيل، ثمّ تمّ تعديل هذه المعاهدة في مؤتمر عُقد في برلين تمّ بموجبه سلخ المزيد من الأراضي عن الدولة العثمانية.

أقيم مؤتمر برلين في 13 رجب 1295 هـ/13 تموز - يوليو 1887م وبحث بهذا المؤتمر تعديل معاهدة سان ستيفانو التي عقدت بين الدولة العثمانية والإمبراطورية الروسية، وهذا بسبب معارضة (إنكلترا، فرنسا، ألمانيا، النمسا) لهذه المعاهدة لأنها لا تتفق مع مصالحها الاستراتيجية. فعقدت معاهدة برلين، وكان من أبرز نتائجها، استقلال بلغاريا، وضم البوسنة والهرسك للنمسا، واستقلال الجبل الأسود والصرب، وضم قارْص وأرداهان وباطوم لروسيا، والموافقة على تحسين أوضاع النصارى في جزيرة كريت. تضمنت المعاهدة 64 مادة.

كشفت قرارات مؤتمر برلين عن ضعف الدولة العثمانية، فاستغلت الكيانات السياسية والقومية هذا الضعف، وقامت بانتفاضات على الحكم المركزي بهدف الحصول على الاستقلال الكامل، ودعمتها أوروبا في سبيل تحقيق ذلك، وهكذا توالت الأزمات السياسية في وجه السلطان عبد الحميد الثاني بعد الحرب العثمانية الروسية ومؤتمر برلين. إنضمت تونس إلى قائمة الأقاليم التي فقدتها الدولة العثمانية لصالح أوروبا في عهد عبد الحميد الثاني عندما احتلتها فرنسا التي أجبرت باي تونس على توقيع معاهدة قصر سعيد، وأدخلت فرنسا إيالة تونس المستقلة ذاتياً تحت حمايتها، ولم تعترف الدولة حتى معاهدة لوزان 1923 م بالاحتلال الفرنسي وكانت تعبرها إيالة عثمانية تحت الاحتلال الفرنسي الغير شرعي. ولم تقتنع بريطانيا بما حصلت عليه في قبرص فاستغلت تراكم الديون على الحكومة بعد فتح قناة السويس فاحتلت مصر في 1299 هـ بعد أن انتصرت على قوات أحمد عرابي، وقامت الثورة المهدية في السودان فسيطرت على البلاد، بحجة حماية الدولة العثمانية من أي اعتداء. وتقاسمت مع فرنسا وإيطاليا شرق إفريقيا والحبشة.

طمعت اليونان في ولايتي يانيا وكريت العثمانيتين فأعلنت الحرب ضد الدولة العثمانية، وبعد معارك عديدة انتصرت القوات العثمانية وسقطت الوزارة في العاصمة أثينا وطلبت الوزارة الجديدة الدول الكبرى راجية الصلح، وأرسل القيصر إلى السُلطان برقية طالباً الصلح فوافق بشرط إعادة تيساليا ودفع غرامات قيمتها 10 ملايين ليرة عثمانية فعقدت معاهدة إسطنبول التي تتكون من 16 مادة في 4 كانون الأول - ديسمبر 1897 م وتم منح كريت حكماً ذاتياً.

في 1320 هـ - 1321 هـ/ 1902م - 1903م اندلعت اضطرابات في الولايات الثلاث (قوصوة وسلانيك ومناستر) المختلفة الأعراق والأديان والمذاهب وكانت المادة 23 من معاهدة برلين تجبر العثمانيين على إجراء إصلاحات في مقدونيا، ولكن عبد الحميد كان يرفضها ويجابهها لأنه لو قام بها ستؤدي إلى استقلالها.

وفي 1893 أسس البلغار جمعية ثوار مقدونيا وكان الأعضاء فيها من العصابات وشكل بقية الأعراق (اليونانيون، والصربويون، والرومانيون) في المنطقة عصابات ليواجهوا خطرهم لأن هدفهم إزاحة هؤلاء عن الطريق ليتفرغوا للأتراك وساند الباب العالي الأعراق الثلاثة الأخيرة لمواجهة البلغار، وفي 1902 م بدأ هؤلاء عملهم، فبدأوا بقتل إخوتهم البلغاريين الذين لم ينضموا لهم، ووزعوا القنابل في كل ناحية وفي أواخر عام 1902 م تحولت حربهم إلى ثورة حقيقية، وخلال شهر واحد أخمد الجيش الهمايوني الثالث ثورتهم في 21 أيلول - سبتمبر 1902 م، وقبل مرور سنة في 2 آب - أغسطس 1903 م قام البلغاريون مرة أخرى بعصيان. وزادت ضغوط الدول الأوروبية لإجراء الإصلاحات فيها. وأرسل الباب العالي والي اليمن حسين حلمي باشا إلى هذه الولايات الثلاث باسم "مفتش عام الولايات الثلاث". وأُلفت لجنة لإصلاح أحوال الولايات الثلاث برئاسة والي إيالة قونية آفلونيالي محمد فريد باشا الذي أصبح لاحقاً صدراً أعظماً.

عام 1905 م حاول الأرمن اغتيال السُلطان عبد الحميد، حيث خطّطوا مؤامرتهم هذه في سويسرا؛ ويذكر بعض المؤرخين أنه من الممكن وجود بريطانيا خلفها، وكان هدفهم شد انتباه الدول الأوروبية وقتل السُلطان العثماني، فاتفقوا مع خبير بلجيكي مختص بهذه الأمور يدعى "جوريس" الذي لم يكن له علاقة لا بالأرمن ولا بقضيتهم ولكنه كان أجيراً. وكان السُلطان فيما سبق قد شدّد على الأمن واتخذ تدبيرات أمنية قوية بحقّهم؛ إضافة لأسباب أخرى كهزيمة اليونانيين في حربهم مع العثمانيين ورفض عبد الحميد إسكان اليهود في فلسطين، وبعد أن قمع ثورة الأرمن وإرهابهم، شكّل هؤلاء جميعاً جبهة واحدة ضد السُلطان.

أتى جوريس إلى العاصمة إسطنبول كسائح وخلال مراقبة السلطان تأكد أنه لا يمكن الاقتراب منه إلا خارج مراسم صلاة الجمعة وأن المدة الزمنية التي يخرج فيها من الجامع قصيرة ومحددة ولا تتغير أبداً، فعزم على تنفيذ خطّته في هذا الوقت، فوضع القنبلة في عربة ثم تُركت على الطريق في اللحظة الأخيرة عند خروج السلطان من الجامع. في هذه الأثناء خلافاً للعادة قام شيخ الإسلام جمال الدين أفندي باعتراض طريق السلطان ليحدثه ببعض الأمور، فانفجرت القنبلة ولم يتضرر السلطان لوقوفه على عتبات الجامع، ومات في الحادثة مربيان اثنان من مربّي الأمراء والكثير من الجنود. تصرف عبد الحميد براحة تامة بعد الحادثة فاستقلّ عربة قادها بنفسه إلى القصر. قُبض على منفذي العملية وعوقبوا، وقبض على جوريس أيضاً لكن السلطان منحه 500 ليرة ذهبية وتركه، ويُذكر أن جوريس هذا أرسل لعبد الحميد معلومات مهمة من أوروبا في السنوات التالية.

أرادت بريطانيا أن تتمكن من البحر الأحمر من الجنوب ولم تتمكن من ذلك؛ وحاولت مرة أخرى من الشمال فافتعلت مشكلة من لا شيء، مدّعية أن العقبة التي تدخل ضمن لواء الكرك (الأردن) أرض مصرية، والأصل في هذا أن العثمانيين سمحوا في السابق بتواجد جماعات من الجيش المصري بغرض مراقبة الحجاج المصريين. فأرسلت بريطانيا جيشاً إلى هناك على أن هذه الأرض أرض مصرية، وأرادت السيطرة على رأس خليج العقبة، فظهر قصدها الذي يحتمل أن يكون قطع طريق الحج أو قطع طريق سكة حديد الحجاز. على أثر ذلك بعث السُلطان عبد الحميد العقيد رشدي بك مع سريتين من الجنود ومدفع واحد إلى العقبة ودخل القلعة وأخبر الجنود المصريين بأن السُلطان سمح لهم بالعودة إلى مصر وأرسلهم إلى بلادهم. وقام باحتلال قصبة طابا بالقرب من العقبة، على الرغم من هجوم خيالة البدو من العشائر العربية المحرّضة من قبل بريطانيا بالذهب. وفي هذه الأثناء قام الشعب في القاهرة وغيرها من المدن بمظاهرات أثنت فيها على السلطان. وأرسلت بريطانيا إلى الباب العالي بإخلاء قصبتي العقبة وطابا خلال عشرة أيام وإلا ستقوم الحرب بين البلدين، فأجاب الباب العالي بأن احتلال بريطانيا لمصر غير شرعي ومؤقت، وأن تعديلات الحدود ستجري بين الضباط المصريين والعثمانيين وأنه لا يحق لهم الاشتراك في هذه المفاوضات، لاحقاً تم تعديلها بين الضباط العثمانيين والمصريين في 1 تشرين الأول - أكتوبر 1906 م.

في عام 1889م وفي الذكرى المائة للثورة الفرنسية شُكلت جمعية سرية تسمى "جمعية الاتحاد والترقي" على أيدي طلاب المدرسة الحربية والمدرسة الطبية العسكرية وهدفها الوحيد هو عزل السلطان عبد الحميد الثاني، وإعادة الحياة الدستورية للدولة، وكان وراء تشكيل ماسوني ألباني يدعى "إبراهيم تيمو" أو أدهم كما يدعى أحياناً، أخذت أفكار هذه الجمعية تنتشر بين طلاب المدارس العُليا في العاصمة، وانتشرت خارج البلاد بين المنفيين الأتراك في باريس وجنيف والقاهرة، وأصدرت مجلة "عثمانلي" في جنيف لبث أفكارها والترويج لها، وأخذت الحركة تتطور بشكل سريع داخل الدولة وخارجها، فقامت الدول الأوروبية والمنظمات الماسونية واليهودية باحتضانها حسب تعبير المؤرخين، وبداية من هذا الوقت بدأ الصهاينة بالتحرك لخلع السُلطان عبد الحميد، وكان للسفارات الخارجية الدور الأكبر في دخول الصحف والمنشورات المعادية للسلطان لداخل الدولة وتوزع على التشكيلات الداخلية بسرية، اكتشفت هذه الجماعة في 1897م فتم نفي الكثير من أعضائها وفر بعضهم إلى باريس، فأرسل السلطان مدير الأمن العام الفريق الأول أحمد جلال الدين باشا لاستمالتهم للعودة فأقنع أكثريهم ومنحهم عبد الحميد مناصب كبيرة في الدولة، إلا أن "أحمد رضا بك" أصر على البقاء في باريس مع حفنة من مؤيديه، ولم يترك السلطان المحاولة في استمالة هؤلاء، فأمر سفرائه في الدول الأجنبية بالضغط على الحكومات التي تساعد المنظمة، وأرسل أناس لها بهدف عمل الانقسامات الداخلية فيها. انضم "داماد محمود جلال الدين باشا" صهر السُلطان هو وابنيه "صباح الدين" (الذي أشاع لاحقاً لقب "السلطان الأحمر" قاتل الأرمن على السلطان عبد الحميد للصحافة الأوروبية) وابنه "لطف الله".

انتشرت الجمعية في ولايات الدولة منها مصر التي كانت بريطانيا قد احتلتها في وقت سابق، وأصبحت ملاذاً لأفرادها الهاربين. إلا أن سالونيك ظلت المركز الأساسي لنشاطات الجمعية السياسية والعسكرية. أثارت هذه شعارات الاتحاديين عن "الحرية، العدالة، المساواة" بعض الجماعات العربية وساعدتهم على قلب نظام الحكم.

ما بين 4 إلى 9 شباط - فبراير 1902 م أقيم في مدينة باريس "مؤتمر العثمانين الأحرار"، وحضره جميع المناهضين ضد حكم عبد الحميد على رأسهم جمعية الاتحاد والترقي، خلال هذه الأيام اتخذوا العديد من القرارات ابرزها: تقسيم حكومات مستقلة استقلالاً ذاتياً على أساس قومي، رفض "أحمد رضا بك" هذه الفكرة إلا أن الأغلبية قامت بتأييد القرار، رفض أحمد رضا بك رئيس المؤتمر وعلي حيدر بك بن مدحت باشا قرارات المؤتمر ولم يوقعا عليها، بعد ذلك انقسمت المعارضة، وقرر الاتحاديون العمل لوحدهم في مقدونيا والحصول على تأييد الجيش الثالث المرابط هناك، ترك هؤلاء باريس كونها مركزهم السابق، وأسسوا مركزاً صغيراً في سالونيك، وتبعته شعبة في مناسطر، ومع مرور الوقت انضم الكثير من المدنيين للجمعية، وتبعهم أشخاص ذوي مراكز عليا. اشتد أنصار الجمعية بالضغط على عبد الحميد من أجل تطبيق القانون الأساسي كاملاً، (أقيم مؤتمر آخر ما بين 27 إلى 29 كانون الأول - ديسمبر 1907 م حضره ممثلون عن الشعوب النصرانية التابعة للدولة العثمانية، وقد قرر فيه: إجبار السُلطان على التنحي، والتغيير الجذري لإدارته).

في شهر تموز - يوليو 1908 م أعلنوا الثورة التي سميت "بثورة الشباب الأتراك"، وفي 23 تموز - يوليو تمرد الجيش الثالث في سالونيك بقيادة أحمد نيازي وأعلن الثورة، وقاموا في صباح اليوم التالي بإلقاء الخطب هاتفين "إما الحرية وإما الموت"، وانضم لهم أنور باشا ومصطفى كمال، واحتلوا مدينة مناستر التي فيها مقر الجيش الأول، وأرسل السُلطان "شمسي باشا" لتتبع أثر نيازي الذي كان قد عمل هو وجماعة أنور باشا ورائف وجماعته على مقاومة أعمال الحكومة المركزية، وإخماد الثورة، فقتل شمسي باشا قبل أن يبدأ مهمته على يد عاطف بك، فأرسل عبد الحميد ثلاثين فرقة من "فرق الرديف" إلا أنها انضمت لهم وكان ذلك عاملاً على تقوية صفوفهم. ونتيجة هذه الضغوط أعلن السلطان العمل بالقانون الأساسي، في 24 جمادى الآخرة 1326 هـ/23 تموز -يوليو 1908 م.

ارتكب الاتحاديون خطأ بعدم تخصيصهم مكاناً في البروتوكول لممثل أمير بلغاريا، فاستفادت بلغاريا من هذا وأعلنت انفصالها عن الدولة وكان ذلك في 5 تشرين الأول - أكتوبر 1908 م، وفي نفس اليوم أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية ضمها للبوسنة والهرسك مستفيدين جميعاً من هذه الأزمات التي مرت بها الدولة. وفي اليوم التالي 6 نشرين الأوةل - أكتوبر 1908 م أبلغ مجلس إيالة كريت انفصاله عن الدولة العثمانية والتحاقه باليونان، لكن كريت لم تتمكن من ذلك حتى عام 1913م. في معاهدة إسطنبول بتاريخ 26 شباط - فبراير 1909 م، تركت الدولة البوسنة والهرسك للنمسا مقابل تعويضات قدرها 2,5 مليون ليرة ذهبية. ومُنحت بلغاريا الاستقلال لقاء 5 ملايين ليرة ذهبية في 19 نيسان - أبريل 1909 م في معاهدة إسطنبول.

تنص المصادر العثمانية والإسلامية أو المؤيدة للعثمانيين على أن الأرمن تجرأوا بعد معاهدة برلين حيث تضمنت المادة 61 من المعاهدة إصلاح أوضاع الأرمن في الولايات الست الموجودين فيها وهي: أرضروم وديار بكر وسيواس وخربوط ووان وبدليس ولم يطبق العثمانيون هذه المادة، فأمنت الدول الأوروبية وروسيا الأسلحة لهؤلاء الأرمن فبدأوا بالذبح والتقتيل في شرق الأناضول منادين باستقلالهم وتشكيل "أرمينيا" مستقلة، فقاموا بمهاجمة القرى المسلمة التي يتحدث سكانها اللغة الكردية فبدأوا بالإرهاب فيها، وقام العثمانيون بالرد على هذه الثورة والمجازر التي فعلوها بتشكيل الخيالة الحميدية المشكلة من الأكراد أنفسهم إلى مناطق الثورة حيث دمّروا العديد من القرى الأرمنية وقتلوا كثيرًا من المتمردين ومن ساندهم، فيما أصبحت هذه الحادثة تُعرف باسم "المجازر الحميدية". وبعد هذا الحادث الأخير قام الأرمن بعصيان في ديار بكر قتل فيه منهم 1190. وقام لاحقاً أمام الكل في عاصمة الدولة إسطنبول بطريق الأرمن أزميرليان بتسليح بضع مئات من الأرمن وكان قصدهم الذهاب إلى الباب العالي والقيام بمظاهرات معادية للحكومة ولكن قُطع طريقهم، فأنسحبوا إلى منطقة يكثر فيها الأرمن في إسطنبول وهي "قادرغة". وأما شغبهم الثاني في العاصمة في تاريخ 26 آب - أغسطس 1896 م فقد كانوا قد عزموا على تفجير المصرف العثماني ولكن اكتشفوا من قبل الأمن السري، واعترفوا بعزمهم على التفجير المصرف وكذلك الباب العالي، وعُزل أزميرليان ونفي إلى مدينة القدس.

نشط اليهود منذ ثمانينات القرن التاسع عشر إلى تهجير اليهود المتشتتين في أنحاء العالم وطالبوا بإنشاء دولة لهم في فلسطين. وكانت أول محاولاتهم في عام 1293 هـ/1876م إذ عرض "حاييم گوديلا" على السلطان شراء مساحات من الأراضي في فلسطين لإسكان المهاجرين اليهود فيها إلا أنه رفض عرضه. واستعان اليهود الروس بالسفير الأمريكي في إسطنبول أيضاً ولم ينجح بذلك. ولم تنقطع الهجرات الفردية، وكانت هناك هجرات جماعية بين (1285 هـ - 1298 هـ/1868م - 1881م) و (1299 هـ - 1314 هـ/1882م - 1896م) وكانت هذه الأكثر فعالية. وعلى أثر اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني وأتهام منظمة "أحباء صهيون" في 1298 هـ/1881م تعرض اليهود إلى حملة مذابح واضطهادات، فطلبوا من القنصل العثماني في أوديا منحهم تصريحات لدخول فلسطين إلا أن الحكومة رفضت هذا، ورحبت بهم في أي إقليم من أقاليم الدولة. ونتيجة لازدياد شعور السلطان بالتحرك اليهودي، أبلغ المبعوث اليهودي "أوليڤانت" أن باستطاعة اليهود العيش بسلام في أية بقعة من أراضي الدولة العثمانية إلا فلسطين، وأن الدولة تُرحب بالمضطهدين، ولكنها لا تُرحب بإقامة دولة دينية يهودية فيها. وقد حاول بعض اليهود تحدي قرار الباب العالي بالنزول في يافا، لكن السلطات العثمانية منعت دخولهم إلى مدينة القدس. لكن هجرتهم استمرت بشكل بطيء وبشكل غير رسمي عن طريق التحايل على القانون، ورشوة الموظفين، وبمساعدة قناصل الدول الأجنبية، وأرسلت الحكومة إلى متصرف القدس "رؤوف باشا" أن يمنع دخول اليهود من الجنسيات الروسية والرومانية والبلغارية من دخول القدس، والروس بشكل خاص.

تدخلت الدول الأوروبية بعد إلحاح اليهود عليها، فأصدرت الحكومة العثمانية تعليمات جديدة سمحت لليهود بسكن القدس لمدة شهر واحد فقط.

في 1305 هـ/1888م وبعد مرور ثلاثة أعوام، تدخلت بريطانيا وبذلت جهودها للتخفيف من شرط الإقامة الزمني، فرضخ السُلطان لتلك الضغوط وخفف المدة إلى ثلاثة أشهر. واتخذ الباب العالي قراراً بتحويل سنجق القدس التابع لوالي دمشق إلى متصرفية حيث أن المتصرفيات تتبع الباب العالي مباشرة وذلك لتشديد المراقبة. وأرسل أعيان مدينة القدس إلى السلطان شكوى يطلبون فيها إجراء فعال يمنع دخول اليهود ويمنعهم من شراء الأراضي، فأصدر فرماناً في (10 جمادى الآخرة 1310 هـ/30 كانون الأول - ديسمبر 1892م) يحرم فيه بيع الأراضي الحكومية لليهود حتى لو كانوا عثمانيين من رعايا الدولة.

في أواخر القرن التاسع عشر برز "تيودور هرتزل" وهو صحفي يهودي نمساوي استطاع قيادة الحركة الصهيونية وسعى إلى إيجاد وطن قومي لليهود، وحاول هرتزل بكل لاطرق لمحاولة إقناع السُلطان عبد الحميد، فاستغل "القضية الأرمنية" وعرض عليه بذل الجهود من أجل تسوية المشكلة ولقيت فكرته ترحيباً من السلطان، وعهد إليه وإلى صديقه الصحفي النمساوي "نيولنسكي" بمطالبة لجان الأرمن في أوروبا بالطاعة لأن السلطان سيحقق مطالبهم التي رفض تحقيقها تحت الضغوطات، وبذلا جهودهما في أقناع الأرمن والطلب من بريطانيا لوقف تحركاتهم، إلا أنهم فشلوا فيما يسعون إليه. عندها قرر تيودور هرتزل السفر إلى إسطنبول ولقاء السلطان، إلا أنه لم يتمكن من ذلك في 1314 هـ/1896م، وبعد حوالي الشهرين اتصل بالأوساط العثمانية محاولاً إعطاء الدولة مساعدات مالية وغيرها وقوبل بالرفض.

عقد اليهود مؤتمرهم الصهيوني الأول في مدينة بال السويسرية برئاسة تيودور هرتزل مابين (29-30 ربيع الآخرى و1 جمادى الأولى 1315 هـ/29-31 آب - أغسطس 1897م)، واتخذوا عدة قرارات أطلق عليها "برنامج بال" أو "البرنامج الصهيوني"، وكان أهم قرار اتفقوا عليه تأسيس وطن قومي في فلسطين، وبعد أن كانوا يطمحون أن يكونوا فيها تحت سيادة الدولة العثمانية أصبحوا بعد هذا المؤتمر يطمعون بالسيطرة على فلسطين. راقب السُلطان عبد الحميد المؤتمر ومقرراته عن قرب، واتخذ قراراً جديداً هو منع اليهود من السكن في فلسطين ومنع اليهود الأجانب من دخول مدينة القدس. ولم تتوقف المؤتمرات الصهيونية عن الانعقاد وكانت في كل مرة تزيد عدداً وقوة، ولم تتوقف جهود "تيودور هرتزل" للاجتماع بالسُلطان عبد الحميد الثاني وسافر للعاصمة إسطنبول في (24 محرم 1319 هـ/13 أيار - مايو 1901م) وقابل السلطان بعد أربعة أيام ثم قابله مرتين أخريين وعرض عليه إصدار فرمان يجيز لليهود الأجانب الهجرة إلى فلسطين ومنحهم حكماً ذاتياً، مقابل دفعهم ثلاثة ملايين جنيه وفي بعض المصادر مليوني جنيه، وبعدها بدفع الجزية، لكن السلطان كان على موقفه رافضاً إلا أنه وافق على هجرتهم إلى آسيا الصغرى والعراق لقاء دفع الديون المترتبة على الدولة ولم يكن هرتزل راضياً عن هذا، عندها حاول عرض رشوة كبيرة على عبد الحميد تقدر بمليون جنيه مقابل حصولهم على فلسطين. عندها قال السلطان كلمته الشهيرة للصدر الأعظم «انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حيّ، فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة.»

على الرغم من جهود السلطان في حد دون هجرة اليهود فقد استمرت الحركة الصهيونية بإنشاء أجهزة تشرف على شراء الأراضي وتنظيم عملية الاستيطان وطلب هرتزل من السلطان في (محرم 1320 هـ/ ايار - مايو 1902م) الأذن لإنشاء جامعة عبرية في مدينة القدس للشبان الأتراك، إلا أن السلطان رده بعكس ما يريد.

وفي (1321 هـ/1903م) حاول اليهود عقد أول مؤتمر صهيوني في فلسطين، فحظر السُلطان نشاطهم السياسي الدولي.

وفي (1322 هـ/1904م) توفي تيودور هرتزل ولم يتخلف اتباعه من تحقيق ما يريدون، في (1336 هـ/1917م) وافقت بريطانيا بعد وعد بلفور على تأسيس وطن قومي يهودي.

اعتلى عبد الحميد عرش السلطنة والعالم العربي يشهد قيام فكرتين كانتا ردة فعل ضد الاستعمار والسيطرة الأجنبية، أحداهما فكرة "الجامعة الإسلامية"، والثانية "القومية العربية" والوحدة العربية وكانت قد انتشرت في البلدان العربية وخاصة بين نصارى الشام. وعندما أصبح العالم الإسلامي هدفاً للدول الاستعمارية، استيقظت فكرة إحياء الوحدة الإسلامية لتوحيد الجهود ضد هذه الدول. فتزعم السلطان عبد الحميد إبان حكمه هذه السياسة نظراً للظروف الداخلية والخارجية، لأنه وجدها علاج دولته، ولم ير أن الوحدة الداخلية وحدها كافية بل أن يمتد تأثيرها نحو كل مسلمي العالم.

بدأ السلطان بتطبيق هذه السياسة، وأخذ ينفذها، وأخذ من نامق كمال في البيئة العثمانية، وجمال الدين الأفغاني في البيئة الإسلامية والعربية، لتنفيذ سياسته في الداخل وفي الخارج، ففي الداخل كان تنفيذ مبادئ الحركة يعني الالتزام بحدود الشريعة الإسلامية، وفي الخارج يعني التفاف المسلمين حول الخلافة. بعد أن بدأ بتطبيق "حركة الجامعة الإسلامية" استطاع أن يحتفظ بولاء الأقوام غير التركية في الدولة، وكسب جميع المسلمين إلى جانبه. وللمحافظة على ما تبقى من الأقاليم العربية بعد ضياع تونس ومصر أخذ يقرب عدداً من الشخصيات العربية كعزت باشا العابد وأبو الهدى الصيادي وغيرهم، وكون فرقة عسكرية أدخلها في حرسه الخاص، واهتم بالمقدسات الإسلامية الثلاث التي جميعها بحوزة العرب وخصص لها الأموال، وعمد إلى مصاهرتهم فزوج أميرتين من آل عثمان بشابين عربيين. وعمد إلى دعوة الزعماء والمفكرين من غير العرب ليظهر اهتمامه برعاية العلم والعلماء فقام بدعوة جمال الدين الأفغاني إلى إسطنبول، مما يذكر أن السلطان استعان بجملة من العلماء على رأسهم جمال الدين الأفغاني محاولاً التقريب بين المذاهب الإسلامية والتقرب من إيران.

من الوسائل التي لجأ إليها السلطان لدعم الحركة إحياء مركز الخلافة الإسلامية لاستمالة المسلمين حول العالم من غير رعاية الدولة حوله وحرص على إقران الأسماء الدينية مثل "أمير المؤمنين" و"خادم الحرمين الشريفين". وعمد على إضافة مظاهر الزهد وممارسة الشعائر الدينية علانية وأحاط نفسه بعلماء الدين، وغيرها. وأدخل اللغة العربية على برامج الدروس في المعاهد وحاول جعلها مساوية للّغة التركية اللغة الرسمية للدولة.

وكان أهم منجزاته لدعم حركة الجامعة الإسلامية مشروع خط حديد الحجاز. كانت هذه الحركة نجاحاً تأرجح بين القوة والضعف، وانتشر صداها في العالم الإسلامي والعالم العربي، وبرزت دعوات رافضة لحركة الجامعة الإسلامية كفكرة دينية في العالم العربي وتركيا وأوروبا، ففي العالم العربي برزت القومية العربية خاصة بين النصارى، ودور عبد الرحمن الكواكبي الذي هو أحد رواد الحركة الإسلامية التي رسخها بصورة مغايرة عن حركة السلطان عبد الحميد وقد أراد أن تكون الخلافة عربية وفي قريش ومركزها مكة المكرمة وإبعادها عن آل عثمان، وفي تركيا الحركة الطورانية، وأما أوروبا فقد عملت على تشويه صورة السلطان أمام رعاياها المسلمين بوصفه حاكماً استبدادباً يتسم بالظلم.

يجمع الكثير من المؤرخين أن هذه الواقعة "واقعة 31 مارت" مدبرة بالكامل وأن أهدافها محددة من قبل الاتحاديين وبمساعدة من بريطانيا بالرغم من أن المطالب لا تجعل أحداً يشك أنها كانت منهم وبهدف إثارة القلاقل والفوضى. فرتبوا شعارات دينية أثناء الحوادث التي افتعلوها مثل: "الشريعة تنتهك" أو "ضُيعت الشريعة"، وألصقوا هذا كله بالمسلمين واتهموهم "بالرجعية".

كانت الأسباب التي دفعت الاتحاديين إلى تدبير هذه الحوادث هي إقدامهم على فعل خطوات حساسة مثل قتل "إسماعيل ماهر باشا" والصحفيان المعارضان لهم "أحمد صميم بك" وحسن فهمي بك، وفي نفس الوقت ارتفعت معدلات الجريمة وتزايدها يوماً بعد يوم، وأيضاً قلق الشعب بسبب زيادة الجرائم، وظهور من يرغب بإعادة زمام الأمور إلى السُلطان عبد الحميد مرة أخرى، ودخول الجيش في السياسة، وتسريح العديد من الضباط والجنود المخالفين أثار قلقاً واسعاً.

وتحت هذه الأجواء انطلق الجنود القادمين إلى إسطنبول من الجيش الثالث وهتفوا "نطالب بالشريعة" وأعلنوا التمرد وهذا كله بغياب الضباط وبرئاسة عرفاء، وطالبوا أمام جامعي آيا صوفيا والسلطان أحمد بعزل الصدر الأعظم حسين حلمي باشا ورئيس مجلس المبعوثان "أحمد رضا بك" ونفي الاتحاديين وانضم لهم حشود من أصناف الشعب وخاصةً الحمالين.

يظهر أن هدف هذه المؤامرة هو كبح جماح جمعية الاتحاد والترقي ونصرة السُلطان عبد الحميد والشريعة كما يهتفون. قاموا بقتل وزير العدل "ناظم باشا" ظانين أنه "أحمد رضا بك" وقتلوا "الأمير شكيب أرسلان" أحد المبعوثين ظانين أنه الصحفي "حسين جاهد".

قام السلطان عبد الحميد باستدعاء قائد الفرقة الثانية وأمره بإخماد التمرد لكنه رفض قائلاً أنه ينتظر الأمر من قائد الجيش.

انضم في الفترة إلى حركة التمرد معارضي جمعية الاتحاد والترقي وبعض علماء الدين. وساقت جمعية الاتحاد والترقي جيشاً سمي "بجيش الحركة" من مدينة سالونيك إلى العاصمة إسطنبول وكان يقال أن هدفه الأساسي "نجدة السلطان" تحت قيادة "محمود شوكت باشا"، وطلب قائد الجيش الأول "ناظم باشا" من السُلطان التدخل لردعه، لكنه رفض قائلاً بأنهم مسلمون مثلكم، دخل "جيش الحركة" إلى إسطنبول في 6 رجب/25 نيسان - أبريل وسيطر عليها وأعلن الطوارئ وأعدم الآلاف ونهب قصر يلدز مقر السلطان.

وفي اليوم التالي 7 ربيع الآخر 1327 هـ/27 نيسان - أبريل 1909م دعا "محمود شوكت باشا" مجلسي النواب والأعيان لمجلس مشترك سُمي "بالمجلس الوطني المشترك" واستصدروا فتوى بخلعه بالضغط على شيخ الإسلام، وقيل أنه رفض وحصلوا على توقيع أحد العلماء الآخرين، وقيل أنهم عرضوا على "أمين الفتوى" الحاج نوري أفندي إلا أنه رفض. واتهم السلطان عبد الحميد الثاني بعدة تهم، تدبير "واقعة 31 مارت"، وبالإسراف، وبالظلم وسفك الدماء، وتحريق المصاحف والكتب الدينية، انكر جل المؤرخون هذه التهم التي وجهت للسلطان. استدعى المجلس الصدر الأعظم "توفيق باشا" ليبلغ السلطان بقرار الخلع إلا أنه رفض، فكلفوا وفداً من أربعة أشخاص هم: "عارف حكمت باشا" و"آرام الأرمني" و"أسعد طوطاني" و"قره صو عمانوئيل اليهودي"، وقرأ الوفد الفتوى على الخليفة. ونصب محمد الخامس أخ عبد الحميد الأصغر محله. ونفي إلى مدينة سالونيك مع مرافقيه وعائلته عبر القطار، ولم يُسمح لأحد منهم باخذ حاجياته وصودرت كل أراضيه وأمواله، وبقى في قصر "ألاتيني" تحت الحراسة المشددة.

كان لعبد الحميد أموال مودعة في البنوك الألمانية، ضغط الاتحاديون على السلطان فترة طويلة حتى تنازل لهم عنها، إلا أنه شرط عدة شروط عليهم لأخذها وهي عودة ابنه عبد الرحيم أفندي إلى إسطنبول ليتحصل على العلم، وعودة بناته ليتزوجن، ومنح بعض العمال معه الحرية، وتخصيص قدر كافي من النقود له وشراء قصر ألاتيني وغيرها من الشروط، وبقي هناك في سالونيك من 1908م وحتى اندلاع حرب البلقان الأولى عام 1912م لأن مدينة سالونيك أصبحت معرضة للخطر وبهذا قُرر نقله إلى العاصمة إسطنبول وقد خصصت له السفارة الألمانية باخرتها، ووصل إليها في 1 تشرين الثاني - نوفمبر 1912م واستقر في قصر بكلربكي.

تدهورت صحة عبد الحميد وأصبح يشكو من الإرهاق ومن مشاكل في الجهاز الهضمي. وفي 9 شباط - فبراير 1918م شعر بألم في جسمه بعد أن نهض من مائدة الطعام، وكان طبيبه الخاص قد حصل على أذن، فقام أحد من كانوا معه وهو "راسم بك" باستدعاء طبيب أخيه الأصغر محمد وحيد الدين الذي أصبح سلطاناً لاحقاً، وعندما فحصه أبلغهم بأن مرضه بوادر سل خطير، فابلغ راسم بك السلطان محمد الخامس، وفحصه الدكتور "عاطف بك" وتوصل لنفس الأمر، واستدعوا طبيباً مشهور وهو "نشأت عمر بك" ليفحصه. وعند الصباح التالي أصر على الاستحمام على غير رغبة الطبيب وعند خروجه منه بدأ يتصبب عرقاً، وأرسل أخوه السلطان محمد رشاد الأطباء ودخلوا عليه وقالوا أنه من الممكن أن هذا نتيجة الإفراط في الطعام في الليلة السابقة. واستدعي ابنه محمد سليم أفندي وأحمد أفندي وقبل دخولهم عليه توفي وكان ذلك في 10 شباط / فبراير 1918م يوم الأحد ودفن في مدينة إسطنبول.


author

موقع بوابة صيدا

بوابة صيدا

بوابة صيدا.. موقع يهتم بالشؤون السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية في مدينة صيدا ولبنان.. والعالم

مقالات ذات صلة