بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الْقَوْلُ الأثِيرُ فِي وَصِيَّةِ الْغَدِيرِ

الدكتور محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

في حادثة هي من الأضخم في السيرة النبوية، قد تواردت عليها ثلاثيةُ الزمان والمكان والموضوع، بعد قفول النبيِّ صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام من حجَّة الإسلام، وفي الثامن عشر من شهر ذي الحجة بعد الوقوف بعرفة وخطبته، وعلى طريق المدينة النبوية المنورة، قرب الجحفة، عند نبعة ماء تُسمَّى غدير خمٍّ، يرتاح رسول الله صلى الله عليه وسلم من وعثاء السفر، ليلتقط أنفاسه فوق رمال الصحراء الملتهبة في جوٍّ من القيظ الشديد، يرتوي بالنظر إلى جموع المؤمنين وقد التفوا حوله بأعناق مشرئبة وأبصار إليه شاخصة وآذان تتلهف إلى سماع حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسماتُ العليل تزورهم على استحياء، حيث تتنزَّل الرحمة وتحفُّهم الملائكة وتغشاهم السَّكينة.

تخرج الكلماتُ النورانية تتهادى على وقع الصدى يجوب الأسماعَ الخاشعة، لتلامس قلوبًا عرفت مقادير الرجال فهجرت الأوطان والخلان وارتحلت إلى المصطفى العدنان صلى الله عليه وسلم وهي تقول بلسان واحد: "نحورنا دون نحرك يا رسول الله". "فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله".

فلمَّا استيقن النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولمس استعداد الأصحاب لتلقي عظيم الخطاب، شرع بوصية عصماء تقوم عليها أعمدة الدين وتُحقن بها الدماء وتصان بها الحرمات وتحفظ بها البلاد وتُثقَّل بها موازين العباد.

وعاها ثقات الرواة، وتناقلها العدول الأثبات، وامتلأت بها صفحات التراث نورًا ينبثق في ديجور من ظلمة الأنا والجاهلية والعائلية والطبقية ليبدِّد حبائل الوثنية بكليتها، عساها أن تكون حصنًا منيعًا للأمة جمعاء، مَن تظلَّل بفيئها أمن لسعة الهاجرة عند اشتداد الذروة، وبلغ الحظوة والحبوة من الصحبة والقربى.

وفي هذه العجالة السريعة سأقف معك عند ثلاث محطَّات رئيسة، فخذها مني واسعد.

المحطَّة الأولى: نصُّ الحديث وتخريجه:

أخرج مسلم في صحيحه، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه قال:

قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيبًا، بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال:

"أمَّا بعد، ألا أيُّها الناس.

فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسولُ ربِّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به".

فحَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال:

"وأهل بيتي، أذكِّركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي".

وأخرج النسائي في السنن الكبرى، والطحاوي في مشكل الآثار، والحاكم في المستدرك، عن زيد أيضًا قال:

لما رجع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خُمٍّ، أمر بدوحات (جمع دوحة، وهي: شجرات عظيمة) فقُمِمْن، فقال:

"كأني قد دُعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعِتْرتي. فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض".

ثم قال: "إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن".

ثم أخذ بيد عليٍّ رضي الله عنه فقال: "من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه" (ينظر: الصحيحة).

المحطَّة الثانية: سبب ورود الحديث:

أرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع القائدَ العسكريَّ خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن في قتال انتصر فيه المسلمون وغنموا الغنائم.

فأرسل خالدٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، ويطلب إرسال من يُخمِّس تلك الغنائم.

فأرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه لتلك المَهمَّة، ثم أمره أن يدركه في الحجِّ.

وقسم حيدرةُ رضي الله عنه تلك الغنائم كما أمر الله:

أربعةَ أخماس للمجاهدين.

وخُمسًا لله والرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.

فأخذ عليٌّ خُمس ذوي القربى -وهو سيد ذوي القربى- للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فغضب بعض الصحابة كبُريدة بن الحصيب رضي الله عنه. فاشتكى بُريدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقصَّ عليه ما فعل عليٌّ! فلم يَردَّ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وكرَّر بريدة الشكوى وما حصل من عليٍّ، فلما كانت الثالثة قال:

يا رسول الله، عليٌّ فعل كذا وكذا!

فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "يا بريدة، أتبغض عليًّا؟".

قال: نعم، يا رسول الله.

فقال: "لا تفعل، فإنَّ له في الخُمس أكثرَ من ذلك".

يقول بريدةُ رضي الله عنه: فأحببته بعد ذلك؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبغضه" (أصل القصة رواها البخاري، وأحمد، والبيهقي في الكبرى).

وأخرج أحمد في المسند، والنسائي في خصائص علي رضي الله عنه، والحاكم في المستدرك، عن بريدة رضي الله عنه، قال:

غزوتُ مع عليٍّ اليمنَ فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرتُ عليًّا فتنقَّصتُه. فرأيت وجهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغيَّر، فقال:

"يا بريدة، ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟".

قلت: بلى، يا رسول الله.

قال: "من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه".

المحطَّة الثالثة: فقه الحديث ومراميه الكبرى:

وُجدت النَّفْسُ البشرية ومن طبعها الميلُ والانحراف، ولا زال المرء يقوِّم اعوجاج نفسه ويحملها على التقوى والإيمان والعمل الصالح ويتدرَّج بها في سُلَّم الكمالات الإلهية والجمالات الروحية حتى يصل بها إلى مصافِّ الملأ الأعلى.

وخيرُ من قوَّم نفوس أصحابه وزكَّاها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فما أعظم سلامة القلب تُجاه المؤمنين! فكيف بأهل البيت النبوي الرشيد؟!

وبالعودة إلى مضمون الحديث، نلحظ أنه ركَّز على متلازمة ثلاثية لا فِكاك لأحدها عن ثانيها أو ثالثها.

فجاءت وصيةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعةً في مضامينها بين حواضن ثلاثة:

الوصية بكتاب الله عز وجل.

الوصية بأهل البيت عمومًا.

الوصية بعلي بن أبي طالب تحديدًا.

في سياق زماني مبارك هو شهر ذو الحجة الحرام، وفي مكان فاضل هو طريق عودة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة عند الجحفة على طريق المدينة، يرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته ببيان الحق الذي لا مرية فيه، لمزيد حرصه على صحابته أن لا يكون فيهم حقدٌ على بعضهم لأغراض دنيوية، ولبيان فضل أهل بيته وأنهم يشكِّلون مع القرآن الكريم الصراطَ المستقيم، لما قام فيهم من السُّنة النبوية المطهرة والفقه العميق لهذا الدين ومقاصده العظيمة.

فما أحوجَ الأمَّةَ اليوم أن تستمسك بثقلها الأكبر القرآن، الذي فيه ضمان نصرتها وثباتها ووحدتها وتماسكها!

وما أحوجَ المؤمنين أن يجتمعوا على حبِّ أهل البيت الحب الشرعي، ويستلهموا منهم حرصهم على وحدة الأمة واجتماع كلمتها!

وما أحوج الكافَّةَ أن تجتمع على مثل علي بن أبي طالب صوت العدالة الإنسانية، فلا نكون أقلَّ مروءةً ممَّا قام به رأسُ الكنيسة المارونية! يقول الكاتب جورج جرداق:

"حين أتممتُ تأليف موسوعتي علي صوت العدالة الإنسانية عام 1975، كانت الطباعة تحتاج لإمكانيات عظيمة ليست من مقدرتي. فوصل الخبر لرأس الكنيسة المارونية، فأرسل لي:

إنَّ عليًّا ليس للشيعة أو المسلمين فقط، بل للإنسانية.

فصدرت الطبعة الأولى برعاية الكنيسة المارونية بلبنان".

ألا، فلنتَّخذ مِن حادثة الغدير مناسبةَ وحدوية جامعة، تأتلف بها قلوبُ الصادقين على ما اشتملت عليه من الوصية العصماء بالقرآن والعترة،

وأنْ نجدِّد العهد والميثاق بأهل البيت الكرام،

وأن نحيا على ما كان عليه الإمامُ علي من موادَّة بارَّة للصحابة الكرام سيما لشيوخ الإسلام أبي بكر وعمر وعثمان،

وأن لا نكون بأقلَّ ممَّا كان عليه أبو الحسنين من مصاهرتهم والنُّصح لهم والجهاد معهم والترحُّم عليهم.

﴿قالَ اللَّهُ هذا يَومُ يَنفَعُ الصّادِقينَ صِدقُهُم لَهُم جَنّاتٌ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ ذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ﴾ [المائدة: ١١٩].




من أرشيف الموقع

كيف تكون الفتاة جميلة؟

كيف تكون الفتاة جميلة؟

حدث في 16 نيسان / ابريل

حدث في 16 نيسان / ابريل

مكافأة لمن يُنجب ذكراً..

مكافأة لمن يُنجب ذكراً..