بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - يهود لبنان

إعداد الدكتور طالب محمود قره أحمد / مؤلف كتاب " الطائفة اليهودية في مدينة صيدا تاريخها وحضورها "

الجدير بالذكر أن يهود لبنان عاشوا قبل سنوات عديدة حياة طبيعية، شأنهم شأن بقية الطوائف اللبنانية، إلا أن حياتهم انقلبت رأساً على عقب، بعد قيام إسرائيل عام 1948م واندلاع الحروب العربية الإسرائيلية، فباتوا خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين المنصرم يمشون والخوف صديقهم، يتلفتون يميناً ويساراً تحسباً لأي اعتداء يعتقدون أنهم قد يتعرضون إليه.

ورغم اعتراف الدولة اللبنانية رسمياً بوجودهم كطائفة يتمتع أفرادها بحقوقهم المدنية والسياسية، فهم واقعياً "محرومون من الحقوق الإجتماعية فور معرفة هويتهم الحقيقية". هكذا، يصف أغلب اليهود في لبنان واقعهم كونهم أقلية يسميها الدستور اللبناني بـ "الطائفة الإسرائيلية" ويعترف بها بين الطوائف الـ18 المنصوص عليها في الدستور.

إبان وجود اليهود في لبنان أيام العثمانيين (1516 - 1918م) مع العلم أن الوجود اليهودي كان قبل ذلك بكثير. وخلال سنوات الإنتداب الفرنسي، اضطر الفرنسيون إلى الإعتراف الرسمي بوجودهم كطائفة "إسرائيلية" بتاريخ 13 مارس (آذار) 1936م ، بسبب تكاثرهم، إذ وصل عددهم في ذلك الوقت إلى خمسة آلاف شخص، فترجموا اسم النبي يعقوب بن إسحق من الفرنسية إلى العربية حرفياً "إزرائيل" أي "إسرائيل" وأطلقوها على الطائفة.

ويوضح "أرازي" أن جهوداً تُبذل لإعادة إنهاض الطائفة من جديد "عبر ترميم كنيس (ماغن أبراهام)، الكنيس الوحيد المتبقي الذي تعرض للتدمير خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في عقد السبعينات بحي وادي أبو جميل في وسط بيروت، الحي الذي احتضن العدد الأكبر من اليهود".

ثم أوضح : "لقد نجحنا بجمع التبرعات من الجالية اليهودية في الخارج، وجميعهم يهود لبنانيون (يشدد على كلمة لبنانيين)، بل إن مسيحيين ومسلمين ساهموا معنا في إعادة إعمار كنيسنا.. وساهمت حتى شركة (سوليدير) التي تتولى إدارة وسط بيروت، بنسبة خمسة في المائة، وفقاً للقانون الذي ينص على مساهمة الدولة اللبنانية في ترميم المعابد والكنائس ودور العبادة.

وفي حين تثير علاقة اليهودي بدولته وانتماؤه إلى وطنه إشكالية كبرى لدى عدد من اللبنانيين، فإن "أرازي" يتناول بنبرة غاضبة هذه النقطة كما لو أنه يعاني مشكلة كبيرة مع نوع مماثل من الأسئلة: "ليتأكد الجميع أنه لو كان انتماؤنا صهيونياً إسرائيلياً لما بقينا لحظة واحدة في لبنان"، نافياً "أي علاقة لهم بمن أرادوا العيش على أرض فلسطين وقتل الأبرياء".

وأنهى كلامه ساخراً: "ماذا بإمكان طائفة من 200 شخص أن تفعل؟ ليس كل اليهود صهاينة، فهويتنا لبنانية وانتماؤنا لبناني مائة في المائة".

وبالنسبة إلى الحركة الصهيونية في لبنان فقد كانت نوعاً ما ضعيفة، إلا أن ذلك لا ينفي قدوم بعض مبعوثي الصهيونية من فلسطين إلى لبنان عام 1945م لبث هذه الحركة بين الشباب اليهودي. وبالفعل فقد تأثر القليل القليل بهذه المنظمة.

انفعال "أرازي" يقاطعه تعليق صديق يهودي كان جالساً إلى جواره، وهو رجل خمسيني طويل القامة، قال لنا: "حتى الشأن السياسي لا نتعاطى به، في ظل وجود نائب عن الأقليات لا يأبه لأحوالنا، وحالنا كحال بقية اللبنانيين. إننا نُعاني مثلهم من السياسيين والمسؤولين. وتابع بنبرة عالية: "في الماضي، كان عدد الناخبين من أبناء الطائفة أكثر من سبعة آلاف شخص، وشغل لبنانيون يهود مناصب كبيرة حتى في الشرطة اللبنانية، منهم ضابط من عائلة بصل، وكنا نصوت للنائب الراحل جوزيف شادر (وهو أرمني كاثوليكي)، وكان محبوباً لدى الطائفة، في حين أن مساهمة اليهود في الإنتخابات انخفضت اليوم (2016م) إلى اثنين في المائة فقط".

من ناحية أخرى، يختلف رأي سونيا، وهي سيدة يهودية ستينية، عن رأي أرازي وصديقه، فهي توضح بصراحة، حسب رأيها، أنه "لا يوجد صهيوني أو يهودي، فاليهود جميعهم واحد ولا يمكنهم التنصل من هويتهم"، وتابعت سونيا: "حرمني أهل زوجي من أولادي بسبب ديانتي اليهودية، بعد نشوء العداوة الكبرى بين العرب واليهود، وحاربوني بشتى أدوات التعذيب النفسي.. لقد تركت عائلتي، التي اختارت الذهاب إلى إسرائيل للعيش هناك، واخترت البقاء في لبنان إلى جانب زوجي وأولادي. لكن رواسب حرب العرب مع إسرائيل لم ترحم وجودي كإنسانة".

تستعيد سونيا محطات من سنوات خلت، مستذكرة "كيف كانوا في كل جلسة يقولون لي (أنت يهودية).. هل تحولت كلمة يهودية إلى شتيمة؟". ثم عبٌرت عن حبها لـ "أرض إسرائيل" التي تصفها بأنها "أرض اليهود المقدسة"، لكنها شرحت سبب رفضها المغادرة للعيش هناك بالقول: "جعلوني أكره لبنان وهويتي العربية، وأصبحت أتمنى الذهاب إلى إسرائيل للعيش فيها، لكن وجود أولادي منعني من الذهاب إلى أي بلد آخر، كما أنني تقدمت في العمر، ولا أجيد اللغة العبرية".                            

لا تبالي سونيا بالعزلة المفروضة على الطائفة، وتنهي حديثها غير مبالية: "إذا مت لا أريد أن أُدفن إلا في مقبرة يهودية، وأريد أن يصلي عليّ حاخام يهودي، فالتوراة كتابي المقدس، وديانتي هي اليهودية، ولن أتنازل عن ذلك أبداً".

في المقابل، اشتهرت شخصيات يهودية كثيرة في مجالات الطب والتجارة والسلك الأمني في لبنان، فعُرف الدكتور شمس الملقب بـ"طبيب الفقراء"، نظراً لاستقباله الزبائن من الطوائف كافة، وليس اليهودية فقط، مقابل أجر زهيد، وكان مقر عيادته داخل كنيس "ماغن أبراهام" إلى جانب جمعيات اليهود في وادي أبو جميل .

أما المصرفي السوري - اللبناني الملياردير أدمون صفرا (حمل لاحقاً الجنسية البرازيلية، وتوفي قبل سنوات في موناكو)، فقد تميز بذكائه وحنكته في مجال إدارة الأعمال، فأسس سلسلة مصارف صفرا في وسط بيروت.

أغلب اليهود في لبنان اليوم ضائعون بين هويتين؛ الأولى هويتهم اللبنانية، والثانية هوية إسرائيلية فرضها الإحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين واليهود جميعاً منذ لحظة إعلان دولة إسرائيل، التي أدت إلى نكبة عام 1948م. منذ ذلك التاريخ، تغيٌرت أحوال عدد كبير من اللبنانيين اليهود الذين فضلوا الإختباء وراء ديانات أخرى، مثل إبراهيم الملقب بـ"خياط الأمراء".

يحيط بمكتب إبراهيم، اليهودي السبعيني، آيات قرآنية معلَّقة على جدران المتجر، وصور تبدد تماماً أي شك لدى الزائر حول هوية الرجل وديانته. يجلس إبراهيم على كرسي جلدي بني اللون، ويضع نظارات إطارها بني، وبيده يحمل عدة الخياطة التي رافقته منذ أكثر من 25 سنة، إبرة وخيط وبنطال يحتاج إلى ترقيع.

وبلهجة حلبية، يرحب إبراهيم بزبائنه الذين اعتادوا زيارته في كل مناسبة لشراء البدلات والقمصان من متجره، نظراً لجودة ملابسه وسمعته الحسنة في الحي الذي يسكنه .

قال إبراهيم: "على الأوراق الرسمية أنا مسلم. بدٌلت ديانتي لأبعد المشاكل والسخافات حولي، فبعض اللبنانيين لا يتقبلون وجودنا معهم، وبات لدينا هاجس من العيش كيهود في العلن"، ثم يستعيد بغصة أيام عز اليهود في لبنان قائلاً: "كان لنا مدارسنا في وادي أبو جميل وجمعياتنا، ووصل عدد كنسنا إلى 15 كنيساً في بيروت وفي بلدات دير القمر وعاليه وبحمدون وصيدا. واشتهرنا بالتجارة في القماش والخياطة والذهب والنحاس وغيرها من المهن".

ويتوقف لحظة ليُشعل سيجاره الفاخر، وينفض الغبار عن قميصه الأبيض، ويكمل سرده تفاصيل "من الصعب نسيانها" (على حد وصفه): "مهنة الخياطة هي عائلتي، أحيك ثياباً للأمراء والوزراء والسفراء من كل الجنسيات العربية، وأحمل جوازاً دبلوماسياً، وأتلقى الدعوات من أعيان عرب لأرافقهم في مناسباتهم وأهتم بلباسهم الرسمي".

يضحك إبراهيم لدى سؤاله عن طريقة عيشه كيهودي في لبنان. ويُعلق بكلمات بطيئة: "يتشارك اليهود في لبنان مع باقي اللبنانيين الظروف الإجتماعية الصعبة نفسها، ويتقاسمون معهم همومهم الموحدة في بلد أمنه على شفير الهاوية.. والإنقسامات السياسية تكاد تقتله". ثم يقول: "أصدقاؤهم محدودون ويحتفظون بسرهم أنهم (يهود)، وأنا واحد من هؤلاء".

وفي شارع مقابل لمتجر إبراهيم، تعيش سيدتان في منزل مرٌت عليه سنوات من العمر. ديكوره على الطراز القديم، وجدران البيت تزينها لوحات فنية تدُل على ذوق رفيع، وبداخله بيانو كبير نظيف ومرتب، ودفتر نوتات موسيقية مركون على جانب الكرسي، ومجسمات دينية صغيرة مثل شمعدان من تسع شموع، تُضاء كل يوم سبت وفق طقوس اليهود الدينية، وُضعت على طاولة تتوسط غرفة الضيوف .

تتحدث أستاذة الموسيقى الثمانينية ببطء شديد، وهي ترتشف القهوة الممزوجة مع الحليب ويداها ترتجفان، تعتني بشقيقتها المقعدة التي تكبرها بسنة واحدة. وتسترجع بحزن كبير ذكريات طفولتها في وادي أبو جميل: "كنت أستاذة موسيقى، أدرٌس الطلاب نوتات الموسيقى وأعزف بشغف على آلة البيانو التي أعشقها. توفي والداي وبقيت وحدي مع شقيقتي في لبنان بعدما سافر أقرباؤنا وأصدقاؤنا إلى بلاد الغربة تاركين وراءهم أملاكهم وبيوتهم، وما زالوا يحلمون بالعودة يوماً ما إلى بلدهم الأول والأخير لبنان".

وتُضيف، متحدثة باللغة الفرنسية، التي اعتادت تكلمها على حد قولها: "لا يتجاوز عدد اليهود اللبنانيين اليوم الـ 200 شخص (2016م)، تتراوح أعمارهم بين 50 و70 سنة، وعدد النساء المتزوجات بينهم قليل بسبب الهجرة الكبرى التي أفرغت البلد من رجاله اليهود. ومن ثم بات من الصعب على المرأة اليهودية ارتباطها برجل من ديانة أُخرى لا يتقبل فكرة أن يحمل الولد (ذكراً أو أنثى) هوية والدته الدينية التي تنقلها لأولادها مباشرة عند الولادة، وفقاً للديانة اليهودية. فترُكنا بلا عائلة".

تصف "أستاذة الموسيقى"، كما تحب مناداتها، لبنان بـ "البلد المنفتح" وناسه بـ "المثقفين"، نافية تعرضها لأي اعتداء أو إهانة من أحد بسبب ديانتها. وهي تربطها مع جيرانها صداقة وحب واحترام متبادل. وتقول: "في السبعينات، عرض أشخاص كثيرون مساعدتنا للسفر إلى إسرائيل وبعروض مغرية، لكن الفكرة كانت مرفوضة بشكل جازم".

وتضطر إلى إنهاء كلامها بعدما نادتها شقيقتها المقعدة لتساعدها على النهوض من السرير. وعادت لتقول: "قد ينشغل بعض السخفاء بإصدار الأحكام المسبقة علينا، ولكن ليتذكروا قبل أي شيء أننا بشر".

على صعيد آخر، كان ليهود لبنان سبعة عشر كنيساً، أشهرها كنيس الماغن، والكنيس الإسبانيولي، وكنيس دانا، وكنيس دير القمر، وكنيس صيدا، بالإضافة إلى وجود عدد من المقابر، ما زالت رُفات اليهود تُدفن فيها حتى اليوم، ولكن في الليل إذ تُقام الصلوات سراً في الظلام، خوفاً من انفضاح أمرهم .

ولقد أدى الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م إلى أعمال انتقامية عدة ضد الطائفة اليهودية اللبنانية، كما حاولت إسرائيل اجتذاب يهود لبنان ليهاجروا إليها. غير أن فكرة الهجرة إلى إسرائيل بقيت فكرة مرفوضة رغم تعرض الطائفة للكثير من الإعتداءات، أبرزها اختطاف 11 يهودياً من أعيان الطائفة اليهودية اللبنانية وإعدامهم، بحسب مصادر يهودية لبنانية .

وقبل عدة سنوات، اتخذ رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق الراحل رفيق الحريري قراراً بإعادة افتتاح الكنيس وإحاطته بالحدائق، لكن القرار لم يُنفّذ .

وبعيداً عن "الكُنس" ودور العبادة، كانت لليهود في لبنان حياة إجتماعية متكاملة الحلقات الثقافية والأكاديمية والإقتصادية. وكانت لهم ثلاث مدارس تُدرس اللغة العبرية والفرنسية إضافة إلى العربية، هي مدرسة سليم طراد المعروفة بـ"التلمود تورا"، ومدرسة الآليانس، ومدرسة الحلبية،  وجميعها كانت موجودة في حي وادي أبو جميل ببيروت.

لكن هذه المدارس دُمرت خلال الحرب الأهلية والإجتياح الإسرائيلي، باستثناء المدرسة التلمودية لصاحبها سليم طرٌاب.

أما بالنسبة للمدرسة التلمودية المجاورة لكنيس "ماغن أبراهام"، فقد هُدمت لكي لا تحجب منظر شاطئ البحر على أبنية حديثة مجاورة، مع أن مُلكية الأرض ما زالت لليهود اللبنانيين، وفق ما يؤكده أحد أبناء الطائفة في بيروت.

كذلك نشطت حركة اليهود ثقافياً قُبيل إعلان دولة إسرائيل، فكانت لهم في لبنان صحيفة هي "العالم الإسرائيلي" لمؤسسها سليم إلياهو، الذي أصدرها عام 1921م، وكُتبت فيها مقالات سياسية شجعت الخط الصهيوني، ودعمت دولة إسرائيل، وحرٌضت الشعب اليهودي على احتلال فلسطين.

ووفق إحصاءات رسمية عام 2003م. يوجد في لبنان حالياً 1500 يهودي، لكن 60 منهم فقط مسجلين كيهود، بينما تحول الباقون إلى ديانات أُخرى.

ونظراً لعددهم الكبير في الماضي، كان لكل منطقة مختار (عمدة) يهتم بشؤون الطائفة لتسهيل معاملاتهم الرسمية وإصدار الوثائق الرسمية لهم، كجوازات السفر، وإخراجات القيد، التي يدون عليها اسم الطائفة، ومن أشهر مخاتير اليهود في لبنان وآخرهم المختار سعد المن، الذي كان يمثل منطقة ميناء الحصن، التي تشمل وادي أبوجميل.  




من أرشيف الموقع

من يجرؤ على هذا الفعل؟

من يجرؤ على هذا الفعل؟

فلسطين

فلسطين

الموز في خطر ..

الموز في خطر ..

فيديو طريف لشخص يسرق مجوهرات

فيديو طريف لشخص يسرق مجوهرات