بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - 1951م: اغتيال رئيس وزراء لبنان رياض الصلح في عمّان وذلك إنتقامًا لإعدام أنطون سعادة

بوابة صيدا ـ رياض الصلح أول رئيس وزراء لبناني بعد الاستقلال. كان له أثر كبير في فصل لبنان عن سوريا وبناء كيان سياسي مستقل للبنان تحت الاحتلال الفرنسي.

ولد في صيدا عام 1893 والده رضا الصُّلح كان حاكما للنبطية ثم قائم مقام لصيدا وعضوا في مجلس المبعوثين التركي عن بيروت. حصل رياض الصلح على إجازة في الحقوق.

حكم عليه الديوان العرفي التركي في عاليه بالنفي مع والده بسبب مناوئتهم لحزب الاتحاد والترقي العثماني فأمضيا سنوات 1916 و 1918 في الأناضول.

بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى انضم الصُّلح إلى الأمير فيصل ليشكل أول حكومة عربية في صيدا، بعد شهر من إعلان ولاء الصيداويين لحكومة دمشق العربية دخلت قوات الحلفاء بقيادة الجنرال اللنبي إلى المدينة وبدأت مرحلة نضالية جديدة في حياة رياض الصُّلح ضد الاحتلال الفرنسي.

في عام 1924 انتقل الصُّلح إلى باريس حيث نجح في السيطرة على حركة طلابية كان شكَّلها الطلاب اللبنانيون والسوريون هناك ومع اندلاع الثورة السورية في عام 1925 استنفر الصُّلح طاقات اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني لدعم هذه الثورة ولم يكتفِ بالعمل عن بعد فذهب إلى سوريا ولكنه اعتُقل ونُفي. ومع تحقُّق الهدوء في سوريا عام 1928 سمحت السلطات الفرنسية لرياض الصُّلح بالعودة إلى لبنان.

شارك في المؤتمر السوري في جنيف ونشط بالدعاية لاستقلال سوريا الكبرى آنذاك. عاد عام 1935 إلى لبنان واشتغل بالمحاماة ودخل بعد ذلك المجلس النيابي والتف حوله جمهور من الناس وأيدوه.

في عام 1943 تولى رئاسة الوزراء واقترح تعديل مواد بالدستور كان الفرنسيون قد وضعوها لأغراضهم الاستعمارية، وكانت هذه التعديلات قد قام بها بمشاركة مع الرئيس بشارة الخوري وهي الميثاق الوطني الذي ينظم تركيبة الحكم الطائفي في لبنان، ولما أقر مجلس النواب التعديل غضب الفرنسيون واعتقلوه مع رئيس الجمهورية بشارة الخوري مع أكثر الوزراء وبعض النواب وحبسوهم في قلعة راشيا  فأدى ذلك الاعتقال إلى ثورة اللبنانيين على هذا القرار والذي أدى بدوره في النهاية إلى إطلاق سراحهم وإعلان استقلال لبنان بتاريخ 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1943.

بعد جلاء قوات الاحتلال الفرنسي عن لبنان في عام 1946م، بدأت تظهر أزمة بين الحكومة اللبنانية، والحزب السوري القومي الاجتماعي، فقد منعت الحكومة اللبنانية انطون سعادة من العودة، بحجة وجود مذكرات بحقه صادرة عن محاكم الاحتلال الفرنسي في لبنان، إلى أن سعادة استطاع العودة إلى لبنان في 2 آذار / مارس 1947، إلا أن الحكومة سارعت إلى إصدار مذكرة توقيف بحقه، ثم ألغتها في تشرين الأول / أكتوبر 1947.

في 9 حزيران / يونيو 1949 وقع اشتباكات بين حزبي الكتائب المدعوم من السلطة اللبنانية، والحزب السوري القومي الاجتماعي، لم يستطع الحزب الصمود كثيراً أمام الكتائب، ففر إلى سوريا، حيث استقبله حسني الزعيم، وفي 7 تموز / يوليو 1949 سلمه إلى السلطات اللبنانية التي نفذت حكم الإعدام فيه فجر اليوم التالي 8 تموز / يوليو 1949.  

شكل إعدام انطون سعادة صدمة لأعضاء وكوادر حزبه، فقرر بعضهم الانتقام من منفذي الحكم.. 

فاجتمع ميشيل الديك (أصله من طرابلس) وكان صاحب مطعم ومقهى في درعا القريبة من الحدود الاردنية بعدما تقاعد من عمله في الجمارك السورية. واسبيرو وديع (سوري) يعمل سائق بين عمان ودمشق على سيارته الهدسون، و كانت العلاقة وثيقة بينه وبين ميشال الديك، ومحمد اديب الصلاح ضابط أردني، ومن اعضاء الحزب المتحمسين .

عرض ميشيل الديك فكرة الاغتيال على اسبيرو وديع الذي رحب بها واعلن استعداده بعدما اعلن عن نبأ زيارة رياض الصلح للاردن قريبا. وانضم اليهما محمد اديب الصلاح عارضا فكرة ان يرتدي الثلاثة لباس رقباء في سلاح الطيران الاردني وهو يؤمن دخولهم إلى مطار عمان لاغتيال رياض الصلح عند مغادرته بعد انتهاء الزيارة .

وفي تفاصيل عملية الاغتيال التي تمت في 16 تموز / يوليو 1951 ان الثلاثة اجتمعوا في عمان في بيت محمد اديب الصلاح ووضعوا الخطة على ان يتم استبدال الملابس في المنزل قبيل مغادرة الصلح نحو المطار بوقت قليل. ولكن ولاسباب امنية، جرى تقديم ساعة مغادرة رياض الصلح لمدة ساعتين، فوجىء ميشيل الديك ورفاقه بموكب رياض الصلح متجها نحو المطار يتقدمه دراجتان ناريتان وفي موقع معين على طريق المطار اندست سيارة اسبيرو خلف سيارة الصلح بشكل عادي وهادىء ولم يعترضها احد لان السيارات الاخرى خلف سيارة الصلح لم تكن سيارة عناصر امنية بل سيارات الوفد المودعة.

ابطأ اسبيرو وديع في السير، فابتعدت سيارة الصلح عن الموكب مسافة كافية بنظر اسبيرو الذي انطلق فجأة بسرعة فائقة حتى اقترب محاذيا سيارة رياض الصلح محاولا الالتصاق بها وبمحاولة سائق الصلح تفاديه اقترب من حافة المنعطف، وهناك اسند ميشيل الديك يمناه على يسراه واطلق صيحة (خذها من يد سعادة / يقصد من انطون سعادة) ولم تنته كلماته حتى كانت الرصاصات قد نفذت إلى حيث اراد لها ان تستقر.

وفي اللحظة ذاتها مال سائق سيارة الصلح بسيارته نحو اليمين قليلا وتوقف حتى لا تسقط في المنحدر وبدورها توقفت سيارة الهدسون محاذية لها ونزل ركابها مع مسدساتهم فواجه محمد اديب الصلاح السيارات القادمة من الخلف واسبيرو وقف امام مقدمة سيارته باتجاه الموتوسيكلات البعيدة عن الموكب وميشيل تفقد بيده مواضع الاصابة وتأكد من وفاة الصلح. (تم دفنه بجوار مقام الأوزاعي في بيروت وتسمى الساحة القريبة منه الآن بساحة رياض الصلح).

استغرق الامر كله لحظات وثواني، انطلقوا بعدها بسرعة فائقة، متقابلين مع الدراجتين الناريتين العائدتين نحو الموكب لمعرفة ما يجري، ولتقوما مع السيارات الاخرى بمطاردة الهدسون، فادركوها متوقفة، وغاب عنها ركابها في المنطقة .

اختفى ميشال الديك في مكان قريب من وقوع عملية الاغتيال، وطلب من رفيقيه الفرار، بينما قام هو بإطلاق النار من مسدسه للفت الانتباه إليه، ثم أطلق الرصاصة الأخيرة على نفسه، قبل أن يتمكن أحد من قتله..

اما اسبيرو وديع ومحمد اديب الصلاح فغابا عن الانظار إلى ان وقع محمد الصلاح ارضا ولم يعد يستطع متابعة الجري، فجراحه من عملية فتق اجراها ولم يمض عليها وقت كاف تفتقت وبدأت تنزف، فطلب محمد إلى اسبيرو الاستمرار بالهرب ريثما يشاغل هو المطاردين وتعطيل حركتهم، لان استمراره هو في الهرب اصبح مستحيلا.

تابع اسبيرو سيره حتى غابت عنه اصوات الطلقات، حيث ان محمد اديب الصلاح اطلق آخر رصاصة معه على نفسه و تم نقله إلى المستشفى والمحققون حوله يسمعونه يردد عبارات من نشيد الحزب (سورية لك السلام سورية انت الهدى) واغمض عينيه مبتسما كما وصفوه. وفي منتصف الليل صحا من البنج ومزق الاربطة ونزف حتى الموت .

تمكن اسبيرو من الوصول إلى اجمة عند الغروب، وفجأة سمع وقع اقدام. فاشهر مسدسه فاذا برجل من البدو ينتصب قريبا منه ويبادره (عليك الامان) فيعيد اسبيرو مسدسه إلى وسطه ويدعو الرجل إلى الجلوس وهو يعرف اكثرهم وعاداتهم. ادعى اسبيرو انه كان يصطاد فادركه الظلام وجلس يستريح منتظرا عودة رفاقه، البدوي ابتسم بذكاء وبادر اسبيرو قائلا وبدون مقدمات: لا تضيع الوقت انا اعرف لماذا انت هنا، انت حديث البلد، والمكان كله مطوق والبحث عنك جار، امامك فرصة وحيدة وغير مؤكدة، وهي ان تسلك الممر الذي اتيت انا منه فليس فيه حتى الآن اية مراقبة.

عانق اسبيرو البدوي وشده هذا إلى صدره علامة الصدق والمودة، وانطلق مهرولا طوال الليل حتى اجتاز منطقة الحصار، ولم يتوقف الا وطلوع الفجر يقشع خيوط الظلام. بقي في مكمنه النهار بكامله ولم يأت بحركة بعيدا عن رصد المناظير، او الدوريات المفاجئة. وفي الليل عاود السير .

في مدينة الزرقاء الأردنية حصل على طعام من رفقاء له سد به جوعه. متابعا سيره الليلي وسكونه النهاري حتى وصل إلى منطقة آمنة قرب الحدود السورية. اصطاد ارنبا في وضح النهار وأكله نيئا، وفي يومه الاخير صادفته دورية من شرطة الجيش السوري اصطحبته إلى درعا.

وفي درعا التي يعرف معظم اعضاء الحزب فيها توجه اسبيرو بثيابه الممزقة إلى منزل اسماعيل الشرع رأسا. وبعد استراحة ونوم كاف وتبديل الملابس نقلته مجموعة إلى دمشق بسيارة احمد الصيدلي ومعهم نايف الرفاعي واسماعيل الشرع، وفي دمشق اتفق على ان يقيم في منزل ملائم من حيث الموقع والجوار فاختير منزل الاعلامي المعروف فاروق نصار وكان رئيس تحرير جريدة الحزب البناء ومراسلا لوكالة اسوشيتيد برس وتقاعد في بيروت ككبير مراسليها في المنطقة.

اما اسبيرو فقد سافر بجواز سفر سوري وباسم مستعار إلى البرازيل حيث للحزب فرع فيها وقد توفي هناك في تسعينات القرن الماضي.




من أرشيف الموقع

حدث في 10 كانون الثاني / يناير

حدث في 10 كانون الثاني / يناير

حدث في 18 أيلول / سبتمبر

حدث في 18 أيلول / سبتمبر