بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - اليهود إبان حكم الدولة العثمانية

إعداد الدكتور طالب محمود قره أحمد / مؤلف كتاب " الطائفة اليهودية في مدينة صيدا تاريخها وحضورها "

شهدت الدولة العثمانية في عهد السلطان محمد الثاني (1808-1839م) حركة إصلاحات سياسية وإجتماعية واسعة النطاق، كان من بين مظاهرها قيام السلطان بمنح السكان المسيحيين واليهود حق المساواة مع الآخرين. وكان هذا الأمر مظهراً من مظاهر خضوع الدولة لضغوط القوى الأوروبية الهادفة إلى تحسين وضع المسيحيين في البلدان التابعة لها.

وكان إقدام الدولة على تحسين وضع رعاياها من المسيحيين واليهود يهدف إلى نيل تأييد القوى الأوروبية التي أيدت الدولة إبان حربها مع روسيا (حرب القرم) خلال عامي (1853-1856م) وقد أعلن حق المساواة لأول مرة في خط (شريف كلخانه) عام 1839م الذي أعلنه السلطان عبد المجيد عام (1839-1861م).

وقد أعلن فيه رسمياً البدء باجراء تغييرات جذرية في جميع مؤسسات الدولة، وعدم التفرقة بين المواطنين في الحقوق، دون النظر إلى أديانهم أو مذاهبهم أو انتمائهم القومي، وذلك بحضور السلطان والوزراء وكبار علماء الدين والإدارة والجيش، كما حضره بطاركة النصارى وحاخامات اليهود ورؤساء الطوائف وممثلو الدول الأجنبية في 3 تشرين الثاني / نوفمبر 1839م/ 26 شعبان 1255ه. وجرى فيه التأكيد على ثلاث نقاط رئيسية:

1 - ضرورة إيجاد ضمانات لأمن جميع رعايا الدولة على حياتهم وأموالهم.

2 - ضرورة إيجاد نظام ثابت للضرائب يحل محل الإلتزام.

3 - ضرورة توفير نظام ثابت للجندية، بحيث لا تستمر مدى الحياة.

والواقع أن منشور كلخانة كان أول عهد دستوري في تاريخ الدولة العثمانية وضع قواعد الإصلاح على المبادئ الأوروبية، من حيث أنه كفل تأمين شعوب الإمبراطورية على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم، مهما تنوعت دياناتهم وجنسياتهم، كما أنه قرر نُظماً جديدة لتقدير الضرائب وجبايتها حسب الثروة والربح، وكذلك نُظماً جديدة للخدمة العسكرية (التجنيد) وتحديد مدتها بخمس سنوات.

ومما يلفت النظر أن استصدار خط شريف كلخانة كان الثمن الذي حصلت عليه بريطانيا والدول الأوروبية من السلطان العثماني في مقابل تسوية النزاع بينه وبين والي مصر محمد علي باشا، الذي كان يريد الإستقلال والإنفصال عن الدولة.

وينبغي أن لا يُفهم من ذلك أن الضغط الأوروبي بوجه عام والإنكليزي بوجه خاص كان هو وحده منشأ حركة التجديد والإصلاح العثمانية خلال القرن التاسع عشر الميلادي. فقد أسهم في هذه الحركة عامل آخر، هو اقتناع رجال الدولة المتأثرين بالثقافة الغربية بضرورة إصلاح جهاز الدولة وتجديده على أساس اقتباس النظم الأوروبية.

وقد ورد مزيد من التفاصيل حول هذا الإعلان في الأمر السلطاني الصادر عام 1856م. وقبل ذلك بعام ألغت الدولة عام 1855م ضريبة الجزية، ولكنها ألزمت هذه الأقليات بدفع ضريبة "البدل" في مقابل عدم تأديتها للخدمة العسكرية، وفي الضريبة التي عُرفت بين العامة باسم "عسكرية" عسكر بالعربية.

ووصلت حركة الإصلاحات إلى ذروتها في عام 1876م حيث صدر في هذا العام أول دستور بالإمبراطورية، وكان رئيس الوزراء التركي مدحت باشا هو الذي صاغ بنود هذا الدستور. وعلاوة على تصديق الدستور على كل الإصلاحات التي نفذها السلطان محمد الثاني، فقد منح الدستور تمثيلاً كاملاً لكل الأقليات في البرلمان العثماني الذي دعا الدستور إلى تشكيله.

وبعد إعلان الدستور سنة 1908م فُتح المجال قانونياً وعملياً أمام جميع المواطنين في الدولة العثمانية ومن كافة الطوائف للدخول إلى الجيش، ولكن سعي السلطات في تجنيد غير المسلمين كان بطيئاً، كما إن إقبال غير المسلمين على الخدمة العسكرية كان ضئيلاً بشكل عام، بالرغم من أن بعض المسيحيين واليهود أقبلوا على التطوع بالجيش لأن ذلك يجعلهم على قدم المساواة مع المسلمين. وقد بلغ الحماس ببعضهم أن رفض دفع البدل النقدي كما سبقت الإشارة، الذي ظل مسموحاً به.

وعند اجراء القُرعة العسكرية للمسيحيين واليهود في قضاء صيدا سنة 1909م خرج 150 نفراً ترتيباً أول و 15 ترتيباً ثانياً، و 22 نفراً أفراداً مأذونة. وخلال الحرب العالمية الأولى مات كثير من اليهود والمسيحيين أثناء الخدمة العسكرية في ميادين القتال المختلفة.

ويمكننا القول بشكل عام إن يهود الشرق تمتعوا بالمساواة في الحقوق بعد أن أُقيمت في هذه البلدان أنظمة حديثة أي بعد الحرب العالمية الأولى. ولا شك أن تطور انشطة اليهود الإقتصادية والتعليمية أدى إلى تحسين أوضاع اليهود الإجتماعية وظروفهم المعيشية وأدى ظهور الإتجاهات القومية بالبلدان الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى إلى الإضرار بوضع يهود الشرق، فقامت الحكومات العربية والإسلامية بعد أن تزايدت بها قوة الإتجاهات القومية بتأميم أموال وممتلكات اليهود مما اضطر معظم اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، وتحويل أموالهم إلى أوروبا وأميركا.

وفيما يتعلق بالدول التابعة للإمبراطورية العثمانية فقد تأسست بها "المؤسسة الحاخامية". ودون الخوض في التفاصيل الخاصة ببنية هذه المؤسسة يكفينا هنا معرفة أن مهام رئيس هذه المؤسسة الذي كان يُدعى"حاخام باشي"، شملت مهام كل من الحاخام والرئيس.

ولم يكن "الحاخام باشي" مجرد رئيس لكل الحاخامات اليهود، وإنما كان رئيساً أيضاً للطائفة، إذ إنه كان يمثل الطائفة لدى السلطة. وبالإضافة إلى مهام "الحاخام باشي" فإنه كانت توجد لجنتان إحداهما تتولى مسؤولية بحث كل القضايا المتعلقة بالدين، والأخرى تتولى مسؤولية بحث القضايا التي تمس حياة اليهود، وكانت اللجنتان تابعتين "للحاخام باشي". وبالرغم من أنه كان يحق لأبناء الطائفة انتخاب الشخص الذي بمقدوره شغل منصب "الحاخام باشي" كانت السلطة تحتفظ بحق التصديق على تعيين المرشح لهذا المنصب.

وبعد أن تشكلت هذه المؤسسة كانت الطوائف اليهودية تنتخب عادة الحاخامات الذين لهم دراية بالديانة اليهودية، والذين لهم مكانة بارزة في المجتمع اليهودي، ومع هذا فحينما اتضح لليهود مدى أهمية الجانب الإداري من هذا المنصب وأن السلطات لا تهتم كثيراً بمدى معرفة الحاخام بالتوراة وعلوم الديانة اليهودية، أصبح أبناء الطائفة ينتخبون الحاخامات الذين على قدر كبير من الثقافة والمعرفة، والمقربين إلى السلطة. ولا حاجة هنا للقول إن كبار حاخامات الطائفة الذين كانوا متبحرين في علوم التوراة كانوا بعيدين عن الهيئة الحاخامية، مما خلق بالطبع حالة من العداء بين القيادة الرسمية وقيادة الطائفة، ولا غرابة أيضاً في أنه سادت دائماً النزاعات والخلافات حول من يحق له شغل هذا المنصب في الأماكن التي تشكلت بها المؤسسة الحاخامية. 

وقد أصبح ضرورياً في الدول الحديثة التي تأسست في الشرق بعد الحرب العالمية الأولى تحديد الوضع الشرعي للطوائف اليهودية، خاصة بعد أن أقرت هذه البلدان مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات.

ويمكننا بشكل عام القول أن البُلدان التي أُقيمت بها أنظمة حديثة شهدت تغيرات عديدة في البنية التنظيمية للمجتمع اليهودي، وكانت هذه التحولات ضرورية لمواكبة التحولات السياسية -الإجتماعية التي شهدها الشرق والتي كان من أبرزها خضوع النشاط الطائفي لقانون الدولة وتفوق القيادة العلمانية المستنيرة على القيادة الدينية.

وفي المقابل فإن الدول التي لم تشهد تغيرات جذرية في العصر الحديث فإن السلطة فيها ظلٌت تُشرف بشكل مباشر على الأنشطة الطائفية، ولم يكن هذا الإشراف المباشر نتيجة لأن الأنظمة لم تطبق الديمقراطية وإنما بسبب تزايد حدة النزاع اليهودي العربي في فلسطين.




من أرشيف الموقع

العار

العار

مقام النبي داود

مقام النبي داود

جبالنا

جبالنا

ماذا عن مزارع شبعا اللبنانية؟

ماذا عن مزارع شبعا اللبنانية؟

ماذا تعرف عن تلة المُريق في صيدا؟

ماذا تعرف عن تلة المُريق في صيدا؟