بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - مقاصد صيدا كما يراها مفتي صيدا السابق محمد سليم جلال الدين رحمه الله..

بوابة صيدا ـ وجهت السيدة آسيا مصطفى البساط من صيدا السؤال الأتي: تنازعت جمعيات المقاصد توجهات مختلفة تأثراً بما كان يجري في المجتمع الصيداوي، وتأثيراً به أيضاً، من أهم المواضيع التي كان يدور حولها الصراع باستمرار ما يلي:

التوجه الإسلامي الديني، التوجه العربي القومي، التوجه اللبناني الرسمي.

باعتباركم شاركتم بقيادة الدفة في جمعية المقاصد في فترات مختلفة ماذا كان التوجه الذي التزمتم به. ولماذا؟ وكيف ترجمتم ذلك عملياً في مؤسسات المقاصد؟

أجاب الشيخ محمد سليم جلال الدين: 

من الواضح أن تأسيس الجمعيات عامة لا يكون إلا لغايات نبيلة، وحاجات جليلة، ولهذا تتأدى جماعة من شخصيات مفكرة في صيدا، عام 1877 ميلادية، لتحقيق غاية طالما راودتهم، فيها الخير، كل الخير، للأجيال الطالعة، وأعلنوا ولادة جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا، ووضعوا قانونها الأساسي المعبر عن أهدافها وغاياتها.

إن فكرة تأسيس هذه الجمعية انبثقت من واقع المجتمع الصيداوي الإسلامي في ذلك الحين، حيث كان الجهل يخيم على أبناء البلدة من جراء عوامل كثيرة لا مجال للغوص في ذكرها..

فالعلم في تلك الفترة من الزمن كان من نصيب قلة نادرة استطاعت الحصول عليه من المدارس المعدودة، منها الأجنبية ومنها الرسمية، ومن مجالسة العلماء الذين كانوا يعلمون الناس أحكام دينهم وقواعد لغتهم العربية.

وإن تسمية الجمعية بالمقاصد يشير إلى الأهداف والغايات النبيلة التي كان يتوخاها مؤسسوها والتي كانوا يريدون بها وجه الله تعالى، ونشر العلم والمعرفة بين ابناء المسلمين، وتمكين العقيدة من نفوسهم، وتكوين جيل متعلم واعٍ مؤمن بربه وبدينه، متمسك بوطنه وأمته، معتز بحريته وكرامته، متطلع إلى مستقبل مشرق، تحرر فيه المسلم العربي من قيود الاستعمار، ومن ظلمات الجهل الذي يأباه عليه دينه..

وقد لاقت ولادة الجمعية في ذلك الحين تجاوباً حاراً بين ابناء البلدة، مما ساعد في تسهيل مهمة القائمين على إدارتها، وما هي إلا فترة قصيرة انقضت، حتى أصبحت المقاصد عند الصيداويين من المقدسات التي يجب على كل فرد منهم أن يضحي في سبيل الحفاظ عليها، والذود عنها.

فما من حركة وطنية تحررية تنطلق من المقاصد إلا ويتجاوب معها المجتمع الصيداوي، كما أن ما من ضغط أو تصرف من قبل السلطة الحاكمة يمارس ضد المتحررين الوطنيين من أهل البلاد إلا ويلاقي تجاوباً من المقاصد أعضاءً وطلاباً وأساتذة، وما من أمر يمس تعاليم الإسلام، أو اي مؤسسة إسلامية إلا وتقف في وجهه المقاصد والصيداويون وقفة واحدة.

لذلك كانت مجالس الجمعية المتعاقبة تحرص على بقاء هذا التفاعل بين المقاصد والمجتمع الصيداوي، وتعمل على تقويته من خلال أداء رسالة المقاصد وتحقيق غاياتها الواردة في المادة الثالثة من النظام الأساسي للجمعية: " إعداد النشء وتربيته ليكون مؤمناً بدينه، محباً لوطنه، واعيا لفضائل أمته، متمسكاً بتراثها، ومتفانيا في سبيل رفعها وخيرها، ومزوداُ بالتعاليم الإسلامية، والمبادئ الإنسانية والعلوم النظرية والعلمية، ومتحلياً بأخلاق القرآن".

من أجل تحقيق تلك الغايات، كان من الواجب على كل مجلس من مجالس الجمعية أن يواجه التيارات والشعارات المختلفة التي كانت تنطلق في المجتمع الصيداوي، فيأخذ منها ما يتوافق مع غاية الجمعية ورسالتها، ويساعد على إعداد الطلاب إسلامياً وعربياً ووطنياً.

وإني باعتباري كنتُ مسؤولاً عن رئاسة الجمعية في فترات مختلفة، كنتُ أستوحي التوجيهات والتصرفات من خلال هذه الغايات، وأعمل مع إخواني أعضاء الجمعية على أداء رسالة المقاصد، بأمانة وإخلاص، ونقوم جميعاً بما التزمنا به تجاه المؤسسة والنشء الجديد بما يرضي الله والضمير.

وكان علينا أن نعنى بتوفير التربية الإسلامية المطلوبة، وذلك بتكوين الحياة الروحية في نفوسهم وتقويتها، حيث تكون مداداً للوازع الديني والأخلاقي، ومساعدة على تهذيب النشء ولا يكون ذلك إلا بإعطاء الفكرة الصحيحية عن تعاليم الإسلام، وما تدعو إليه من فضائل ومحاسن وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، وبتحبيب مادة الدين إلى الطلاب باختيار الأسلوب وطريقة الأداء وانتقاء المواضيع التي تزودهم بالمعلومات الضرورية التي يحتاجون إليها في حياتهم ليكونوا مؤمنين بربهم، متمسكين بأحكام دينهم، مثلاً يحتذى به في أخلاقهم ومعاملاتهم..

ومن أجل ذلك كان على الجمعية اخيتار الإدارة الصالحة في جميع مدارسها، وتزويد القائمين عليها بالتوجيهات، واختيار الأساتذة المؤمنين برسالة المقاصد وغاياتها، والمعروفين بشعورهم الإسلامي، وتحسسهم العربي والوطني، والبعيدين عن العقائد والتيارات المعادية للإسلام والعروبة.

وإنه لا يسعني إلا أن أنوه بالمشاركة الشريفة التي كانت تقدمها الجمهورية العربية المصرية ايام حكم المغفور له الرئيس جمال عبد الناصر، وذلك بإعارة الجمعية عدداً من الأستاذة الجامعيين المتخرجين من الأزهر، ومن مختلف الكليات الجامعية، وعلى نفقتها، وما كانت تسديه من خدمات ومساعدات على مختلف الصعد، وكان الأزهريون منهم يقومون إلى جانب التدريس في مدارس المقاصد بالوعظ والإرشاد في بعض مساجد البلدة، مما كان يساعد الجمعية على تقوية اللحمة بين المجتمع الصيداوي والمقاصد.

وإني لا أخفي ما كانت تعانيه الجمعية من صعوبات في التوفيق بين واجبها بتحقيق التربية الإسلامية على الوجه الأكمل الذي تصبو إليه، وبين مناهج التعليم اللبنانية التي تؤهل الطالب لنيل الشهادات الرسمية، ومع ذلك ورغم تقليص ساعات التعليم الديني، ظلت العناية بالتربية الإسلامية شغل الجمعية الشاغل، وغايتها المفضلة، فلا تدع سبيلاً يؤدي إلى تحقيق هذه الغاية إلا وتسلكه.

ومعلوم أن على الجمعية واجب العناية بناحيتين أساسيتين: هما: الناحية العلمية، والناحية التربوية التوجيهية.

فالناحية العلمية كانت تؤمنها لطلاب المقاصد عن طريق إختيار أستاذة معروفين بعلمهم وخبرتهم في اصول التدريس، مميزين بإخلاصهم لمهنتهم، أمناء على مصلحة الطلاب ووقتهم.

أما الناحية التوجيهية، فتشمل توجيه المؤسسة إسلامياً وعربياً ووطنياً.

فكانت تتبع في التوجيه الإسلامي، النهج الذي تقدم الحديث عنه، وأما التوجيه العربي فإن الجمعية كانت تتجاوب مع كل صوت يدعو إلى نصرة العرب، والحفاظ على التراث العربي و مميزاته، وتتفاعل مع كل حركة هدفها التحرر من كل أجنبي، ودخيل، وتعمل على تعريف الناشئة على ما عرف به العرب من حب للحرية والخير، وما اشتهروا به من شجاعة وكرم، وعزة، وكرامة، ووفاء، وما امتازوا به من تضحيات غالية في سبيل النهوض بأمتهم إلى مصاف الدول العظمى، وما تفرقوا به على جميع الأمم الأخرى في جميع الحقول.

ولهذا كانت مؤسسة المقاصد أول من يتجاوب مع الأحداث العربية، والثورات التحررية، ففي الخمسينيات حصلت أحداث عربية عامة، منها تحرر مصر من الاستعمار، ومن كل تسلط أو تدخل أجنبي، ثم انتصارها على العدوان الثلاني الشهير، ومنها انتصار ثورة الجزائر، وأهم هذه الأحداث التحول الهائل الذي ابرزه الرئيس جمال عبد الناصر، والذي جعل للعرب وضعاً دولياً جديداً بحيث أصبحت العروبة كلمة لها وزنها عند الدول، لها شأنها في العالم، وكل هذه التحركات والثورات كانت المؤسسة تتأثر بها وتؤيدها، ومن المقاصد كانت تخرج مواقف التأييد ومظاهر الابتهاج، فتنعكس على المجتمع الصيداوي الذي كان يتفاعل معها ويشارك في التأييد، كما وأن الجمعية كانت حريصة على أن تظل المقاصد معقل الوطنية الصادقة، ومصدر التحركات التحررية التي تحفظ للوطن حريته، ولأبنائه العزة والكرامة.

وقد برهنت المؤسسات في كثير من المواقف والمناسبات الوطنية على هذا الحرص، خاصة وأنه ينبع من عقيدة صادقة بوطن عزيز مستقل، لا يكون ممراً أو مستقراً لمستعمر أو طامع.

ومن أهم هذه المواقف كان في تشرين الثاني / نوفمبر 1943م، يوم خرجت المقاصد ثائرة، ووقفت بوجه الظلم والاستعمار، مطالبة بالاستقلال التام، وبالإفراج عن ابطال هذا الاستقلال.

كانت وقفة وطنية خالصة، شريفة، استشهد فيها عدد من الطلاب والطالبات، وقفة دخلت تاريخ المقاصد في صيدا، وسجلت في الصحيفة البيضاء من سجل صيدا، مضافة إلى الكثير من المواقف التي اشتهرت بها هذه المؤسسة.

ولا بد لي من أن أختم حديثي هذا بالدعاء إلى الله تعالى، راجياً منه لأن يحفظ المقاصد في صيدا، وأن يهيء لها دائماً الرجال المؤمنين المخلصين المؤتمنين على غايات وأهداف هذه المؤسسة..

(من كتاب: والذكريات.. صدى السنين ص 171 ـ 176)




من أرشيف الموقع

مقابلة مع الحاج محمد محمود الريش

مقابلة مع الحاج محمد محمود الريش

جبالنا

جبالنا